هندسة اليأس وقصور التدبير العمومي..
“حتى قط ما كيهرب من دار العرس”، هذا المثل الشعبي المغربي يلخص بواقعية مذهلة كنه المأساة المشتعلة على سواحلنا الشمالية..تصور معي، عزيزي القارئ، ورب أسرة وجد أبناءه يفرون هاربين من بيتهم نحو بيوت الغرباء بحثاً عن ملجأ بديل؛ فما عسانا قائلين عن رب هذا البيت حين يختار التجاهل والهروب نحو الأمام؟ حتماً سنتساءل جميعاً عن حجم الخراب والجور الذي يعيث في أركان ذلك البيت حتى يصبح الهروب عبر أمواج الموت بديلا عن البقاء. هذا تماماً هو حالنا اليوم، حين يختار زهرة شبابنا ركوب أهوال البحر والسباحة نحو مجهول سبتة المحتلة، مفضلين الغرق في مياه المحيط الباردة على العيش في وطن يتحول بالتدريج إلى سجن كبير للأمل والكرامة، في مشهد يدمي القلوب ويفضح العورات البنيوية للتدبير العمومي.
خرس مؤسساتي ومأساة إنسانية
تتواصل فصول مأساة الهجرة الجماعية غير المسبوقة منذ أزيد من أسبوع، لتبلغ ذروتها المروعة وسط أرقام صدمت المراقبين؛ حيث صرح حاكم سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، للصحفيين بأن ما يقدر بنحو 60 ألف شخص قد عبروا إلى المدينة خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما يمثل أكثر من نصف عدد سكانها. وفي ذات السياق المأساوي، أعلن حاكم المدينة أن ما لا يقل عن 34 شخصاً لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الدخول قادمين من المغرب في موجة التدفق الضخمة هذه، معبراً بكل صدق وباسم الجميع عن الحزن العميق والألم على الضحايا. وفي الوقت الذي تقيم فيه الدوائر الحكومية بسبتة ومليلية -المحتلتين – والحكومة المركزية بمدريد الدنيا ولا تقعدها لتدارك الوضع، تختار الحكومة المغربية صمتاً مريباً وهروباً ممنهجاً يشبه سياسة النعامة. إن هذا الخرس المؤسساتي حيال فاجعة راح ضحيتها العشرات لا ينم فقط عن أزمة تواصل سياسي مزمنة، بل يعكس فهماً قاصراً للتعاقد الديمقراطي ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، متخلية عن أبسط واجباتها في إخبار وتنوير الرأي العام، وتاركة المجال واسعاً أمام الشائعات والتأويلات المؤلمة.
الهشاشة الهيكلية
لا يمكن البتة مقاربة هذا النزوح الجماعي بمعزل عن مؤشرات الاختلال السوسيو-اقتصادي الحارقة لسنتي 2024 و2025 الصادرة عن المؤسسات الرسمية نفسها؛ حيث استقر معدل البطالة الوطني في حدود 13% ليضم جيش من العاطلين يناهز 1.62 مليون. والأدهى والأمر هو قفز بطالة الشباب البالغين ما بين 15 و24 سنة إلى مستوى كارثي بلغ 37.2%، متخطية حاجز 60% في صفوف حاملي الشهادات العليا والتقنية. وتتأكد عمق المأساة حين نعلم أن أكثر من ربع شبابنا (حوالي 25%) ممن هم في زهرة عمرهم يصنفون ضمن فئة NEET؛ أي أنهم لا يشتغلون، ولا يدرسون، ولا يتابعون أي تكوين مهني، وهو ما يكرس الانهيار التام لقنوات الحراك الاجتماعي ويجعل من البقاء في الوطن مغامرة محفوفة بالقنوط واليأس المطلق.
تضخم جامح
إلى جانب معضلة العطالة المستحكمة، يكابد المواطن البسيط وطأة تضخم جامح التهم كلياً ما تبقى من القدرة الشرائية؛ فعلى الرغم من الترويج الرسمي لتباطؤ التضخم الاسمي في حدود 0.8% سنة 2025 (بعد ذروة سنوات التضخم الكبرى)، إلا أن التحليل الاقتصادي الرصين يؤكد أن الأمر يتعلق بتباطؤ سرعة الارتفاع وليس بانخفاض الأسعار. فبالحساب التراكمي منذ سنة 2022، سجل المستوى العام للأسعار وأثمان المواد الأساسية طفرة قياسية بلغت نحو 15%. هذا النزيف المعيشي يتزامن مع اختلال فادح ومزمن في بنيات الإنفاق العمومي؛ حيث تُستنزف الميزانيات الضخمة في مشاريع الإنفاق المظهري والواجهات الكبرى عقيمة المردودية، بدل الاستثمار الحقيقي في الصحة العمومية، والتعليم الناجع، والعدالة المجالية، والقطاعات الاجتماعية الحيوية التي توسع خيارات الناس وتصون آدميتهم.
هدم وتعسف عمراني
ولم يقف الأمر عند حدود العجز التنموي التخطيطي، بل رافقه تعنيف مجالي وعمراني ممنهج تمثل في السنوات الأخيرة في حملات الهدم الواسعة للأحياء الشعبية ودور الصفيح، وتشريد آلاف الأسر والحرفيين والتجار دون بدائل منصفة أو تعويضات عادلة، في انتهاك صارخ للحق الدستوري في السكن والعيش الكريم. وفي تعاطيها مع هذا الاحتقان العارم، أدمنت السلطة مقاربة “الإطفائي/ الزجري”، متصورة أن تطويق الأزمات الإنسانية والاجتماعية ممكن حصراً عبر العصا الغليظة واستعلاء السلطة، بدل الاحتكام لسيادة القانون، وضمان شروط المحاكمة العادلة، واحترام الكرامة الإنسانية. إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالتعسف وهدم المأوى، بل بالعدالة المجالية وتكافؤ الفرص وتأمين الاستقرار.
رياح الأمل الوهمي: أثر الاجتهاد القضائي الإسباني
وإلى جانب عوامل الضغط الداخلي المتمثلة في الاختلالات البنيوية والاجتماعية، تأججت موجة التدافع غير المسبوقة على وقع تقارير وأخبار راجت بقوة بين صفوف الشباب مفادها بأن القضاء الإسباني، وتحديداً المحكمة العليا، قد أصدر قراراً تاريخياً (رقم 814/2026) يُلزم السلطات الإسبانية بعدم إرجاع المهاجرين السريين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر سباحة، ويقيد آلية “الرفض الفوري عند الحدود” (الترحيل الساخن). فعلى الرغم من أن هذه الاجتهادات القضائية جاءت من منطلق حماية الحقوق الإنسانية ورفض الإعادة القسرية دون ضمانات قانونية ومسطرة إدارية فردية، إلا أنها تحولت في المتخيل الشعبي للشباب المأزوم إلى “نافذة خلاص” ومبرر إضافي يغذي الوهم بتغيير المعاملة القانونية في الضفة الأخرى. لقد استغلت شبكات التهريب والوسطاء هذه الأخبار بذكاء لتسويق أوهام العبور الآمن، مما فجر طاقات اليأس ودفع عشرات الآلاف للمغامرة الجماعية نحو الثغر المحتل.
التوظيف السياسي لورقة الهجرة
قد يُحاول البعض ربط توقيت هذا التدفق البشري الكثيف ببعض التفاعلات الدبلوماسية الإقليمية، لا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر وتزامنها مع سياقات إقليمية معينة؛ غير أن القراءة الرصينة والتحليل الموضوعي يستبعدان تماماً أي احتمال لتوظيف مقصود لورقة الهجرة في هذه النازلة. ففي محطات التوتر الدبلوماسي السابقة التي عرفت لجوء السلطات لسياسة غض الطرف، كانت الموجات تقتصر غالباً على دفع مهاجرين ينحدرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو الحدود.
أما اليوم، فإن المشهد يختلف كلياً وينفي تماماً فرضية “المناورة السياسية الموجهة”؛ فالجماهير المحتشدة والمخاطرة بحياتها هي برُمّتها من المواطنين المغاربة أنفسهم، وهو ما يجعل من المستبعد منطقياً أن تقدم أي دولة على المغامرة بتفريغ طرازها البشري الوطني وبنياتها الشابة عبر قوارب الموت لأجل حسابات دبلوماسية عابرة. هذا الواقع الصادم يضعنا وجهاً لوجه أمام الحقيقة المرة: إننا أمام أزمة احتراق داخلي غير مسبوقة، ويأس وطني جارف دفع بالمواطن المغربي إلى الهروب من وطنه بغض النظر عن أي سياقات أو رياح جيو-سياسية خارجية.
جدلية الانتماء ومفارقة الجغرافيا
إن هذا النزيف البشري المترتب عن انسداد الأفق الداخلي يكتسب أبعاداً سوسيولوجية ونفسية أعمق حين نتأمله في مرآة التاريخ والجغرافيا، لنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام مفارقة أخلاقية ورمزية بالغة القسوة. فعندما نستحضر ملحمة الصمود الأسطورية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي يقهر جحيم القصف الوحشي، وحروب التطهير العرقي، والتجويع المنهجي، والحصار المطبق، مظهراً تمسكاً حديدياً بأرضه ورفضاً مطلقاً للتهجير أو مغادرة الديار، مفضلاً الشهادة والموت تحت الركام على مفارقة الوطن، تبرز بوضوح حالة التصدع الروحي والنفسي التي صنعها تآكل أسباب العزة والمنعة الداخلية في بلداننا.
فبينما تقف القوى الاستعمارية بالمرصاد لغزة تفرض الحصار وتدعم آلة الإبادة، نرى ذات العواصم الغربية -ومعها حكومة مدريد والسلطات المحلية في سبتة ومليلية المحتلتين، باعتبارهما ثغارين مغربيين مغتصبين لا يمكن إسقاط سيادتهما التاريخية بأي حال من الأحوال- تُيسّر سبل التسلل والهروب، وتفتح الأبواب على مصراعيها لتفريغ الطاقات الشابة لبلدان الجنوب. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ إذ يهرع شبابنا نحو محتل أرضهم بحثاً عن رمق الكرامة المفقودة في ديارهم، بينما يُظهر الغرب ترحيباً مبطناً بانكسار الذات العربية حين يرى قطاعات من الناشئة تفضل ركوب أمواج الموت والهوان على البقاء في أوطانها.
نحو تعاقد ديمقراطي جديد
امتداداً لهذه الاختلالات البنيوية المتشابكة، فإن ما تشهده السواحل الشمالية للبلاد وما يعتمل في عمق البنيات الاجتماعية لا يعدو أن يكون التعبير المادي الصارخ عن عجز السياسات الاقتصادية والاجتماعية عن إنتاج أفق تنموي حقيقي؛ فالمخاطرة بالأرواح والسباحة نحو الثغور المحتلة لا تمثل رغبة عبثية في المغامرة، بل هي هروب اضطراري من جحيم الاختلالات الهيكلية.
وما لم تحدث قطيعة جذرية مع اقتصاد الريع، وسياسات التهميش، وإسكات الأصوات، والتأسيس لتعاقد ديمقراطي حقيقي يضع الإنسان المغربي في صلب الاهتمام، ويصون كرامة الشباب داخل وطنهم، سيظل البحر هو الملاذ الأخير للهروب من قسوة الواقع، وستظل الدولة تعاني من نزيف استنزاف طاقاتها الحية على عتبات أراضي مغربية محتلة ..
إقتصاد في سياسة
ولمن أراد التحرر من سطحية الطروحات الكلاسيكية والتعمق أكثر في هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الهيكلية الشاملة، ومتابعة تفاصيلها الرياضية والكمية وأبعادها السوسيو-اقتصادية المقارنة بالتحليل المرئي والمسموع، يمكنه الانضمام إلى النقاشات الأكاديمية المعمقة وبسط هذه الجدليات المعقدة عبر حلقات برنامج “اقتصاد في سياسة” المتاحة على المنصة الرقمية من خلال الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
أكاديمي وكاتب