هندسة التناقض: نحو 11 سبتمبر ثانية

لم يكن استدراج الأمة العربية إلى حافة الحرب وليد الصدفة، بل هو ثمرة هندسة إستراتيجية خبيثة أُديرت طوال السبعين عاما الماضية؛ وتحديدا منذ خمسينيات القرن الماضي مع بدايات استقلال الدول العربية. هذه العقود السبعة كانت “مختبرا” لإعادة صياغة المنطقة؛ فبينما كان يُدفع بالأنظمة العربية نحو الميوعة العلمانية والتخلي عن هويتها الحضارية لصالح قُطريات ضيقة، كان يُنفَخ في الطرف الإيراني نحو مزيد من الثيوقراطية والتقوقع المذهبي. كان الهدف خلق “فارق جهد” حضاري؛ طرفٌ عربي مُخترَق، مُفرغ من هويته بمسوخ سياسية، مقابل بركان إيراني مشحون أيديولوجيًّا، جُعل ليصَدِّر حممه نحو الجوار، وهو ما أدى إلى تسلخات دموية في لبنان والعراق واليمن وسوريا، وإلى أعطاب مجتمعية في السعودية والبحرين والإمارات.
في هذا المشهد، لم يكن المشروع الصهيوني ليتغول إقليميًّا لولا وجود خدمات إستراتيجية قدّمها القطبان الإقليميان: العرب وإيران؛ فكلاهما منح الغرب والكيان الصهيوني الذريعة الكبرى والفرصة الذهبية لتنفيذ مخطط التفتيت وتكريس حالة السيولة الأمنية. من جهة، قدّمت الأنظمة العربية ذريعة الضعف والانكشاف الإستراتيجي؛ لا بسبب فقرٍ في الموارد الكامنة، بل نتيجة تخليها المتعمد عن مقدرات القوة الجيوسياسية التي تحوزها كأمة جامعة، فالدول العربية تمتلك من عناصر السيادة والريادة ما لا تحوزه أمة أخرى، بدءًا من الانسجام العقائدي والوحدة اللغوية، وصولا إلى الموقع الجغرافي الذي يتحكّم في مفاصل التجارة العالمية، والمناخ الطبيعي المثالي، فضلا عن الإمكانات المالية الخرافية والحجم السكاني الوازن. ورغم هذه الترسانة السيادية، عطلت الأنظمة واجب الإعداد الذي أصّله الوحي قبل 14 قرنا في قوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم))؛ فلم تبلور اقتصادا إنتاجيا، ولا حققت اكتفاءً ذاتيًّا، ولا وطّنت صناعة عسكرية تحمي كرامتها. بل والأدهى أنها رهنت تلك الفوائض المالية في خزائن المنظومة الغربية، حتى غدت لا تتعاطى مع ثرواتها إلا بإذن الخازن الأجنبي؛ وهو ما أدى إلى انكشاف إرادي أغرى القوى الكبرى بالتدخل الدائم تحت ستار الحماية، وحوّل الأراضي العربية إلى فضاءات مستباحة للقواعد العسكرية.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post هندسة التناقض: نحو 11 سبتمبر ثانية appeared first on الشروق أونلاين.