هندسة أمريكية جديدة

نحو هندسة أمريكية جديدة للمساعدات الخارجية أكثر دعماً للوقاية من النزاعات وبناء السلام

خلال شهر يوليوزمن هذا العام، وجّه كلٌّ من التحالف من أجل بناء السلام (Alliance for Peacebuilding – AfP) (Future of Peace and Security Coalition – FOPS) وائتلاف مستقبل السلام والأمن ؛ مذكرة إلى الكونغرس الأمريكي تضمنت مجموعة من التوصيات الأولية الرامية إلى إعادة توجيه المساعدات الخارجية الأمريكية بما يعزز الوقاية من النزاعات وترسيخ السلام، في ظل تصاعد الأزمات والاحتياجات الإنسانية على المستوى العالمي. وتهدف هذه الوثيقة إلى إثراء النقاش الدائر داخل الكونغرس بشأن مستقبل المساعدات الأمريكية، مع فتح المجال أمام حوار مستمر مع مختلف الأطراف المعنية.

وبصفتي عضواً في كل من التحالف من أجل بناء السلام وائتلاف مستقبل السلام والأمن، أرى أن هذه المذكرة تمثل مساهمة مهمة وفي توقيت بالغ الأهمية في النقاش المتعلق بإصلاح منظومة المساعدات الخارجية الأمريكية. فهي تدعو الكونغرس إلى جعل الوقاية من النزاعات وبناء السلام ليس مجرد أولوية سياسية، بل مبدأً منظماً لآليات التخطيط والتمويل والمساءلة في السياسات العامة.

رؤية عامة

تنطلق المذكرة من حقيقة واضحة مفادها أن المساعدات الخارجية الأمريكية تُعد من أقوى الأدوات التي تمتلكها الولايات المتحدة لمنع اندلاع الحروب ووقفها، إلا أن إمكاناتها لا تزال تُوظَّف بدرجة غير كافية في مجالي الوقاية من النزاعات وبناء السلام.

وفي ظل الارتفاع غير المسبوق في أعداد النزاعات العنيفة واتساع طابعها العابر للحدود والدولي، تدعو الوثيقة الكونغرس إلى إعادة وضع السلام في صلب إصلاح منظومة المساعدات الخارجية، ولا سيما في إطار مراجعة قانون المساعدات الخارجية لعام 1961 (Foreign Assistance Act).

وتبعث المذكرة برسالة سياسية واضحة مفادها أن عدم تحديث أدوات المساعدة والدبلوماسية الأمريكية بما يعزز الوقاية من النزاعات قد يفسح المجال أمام قوى أخرى لا تشاطر الولايات المتحدة التزامها بقيم السلام والمساءلة والشراكات المستدامة.

المنطق الاستراتيجي

تشير الوثيقة إلى أنه، رغم توجيه نسبة معتبرة من المساعدات الأمريكية تاريخياً إلى الدول المتأثرة بالنزاعات، فإن معظم هذه الموارد لم تُصمم أساساً لمنع العنف أو إنهائه أو دعم جهود السلام.

فقد انصبت المساعدات غالباً على الاستجابة للأزمات الإنسانية، وتحفيز النمو الاقتصادي، ومكافحة الأمراض المعدية، دون إدراك كافٍ بأن النزاعات المسلحة تقوض هذه الأهداف من جذورها.

ومن هذا المنطلق، تقترح المذكرة إعادة توجيه هيكلية للمساعدات، بحيث تصبح الوقاية من النزاعات، وتسوية الأزمات، وبناء السلام أولويات محورية في السياسة الأمريكية للمساعدات الخارجية، بدلاً من اعتبارها أهدافاً ثانوية أو هامشية.

الأسس السياسية والتشريعية

تندرج هذه المبادرة ضمن مسار تشريعي حظي بدعم الحزبين في الولايات المتحدة، واستند إلى عدد من القوانين المهمة، من أبرزها قانون الهشاشة العالمية لعام 2019 (Global Fragility Act)، وقانون إيلي فيزل لمنع الإبادة الجماعية والفظائع لعام 2018، وقانون المرأة والسلام والأمن لعام 2017.

ويهدف قانون الهشاشة العالمية إلى تحقيق الاستقرار في المناطق المتأثرة بالنزاعات والحد من عوامل الهشاشة والعنف على المستوى الدولي، من خلال تعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية واعتماد تخطيط استراتيجي متكامل.

وترى المذكرة، مع ذلك، أن هذه المكتسبات التشريعية ستظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى تحول أعمق في طريقة تصميم وتمويل وإدارة ومراقبة المساعدات الخارجية الأمريكية في البيئات المتأثرة بالنزاعات.

الأولويات المقترحة

تقترح المذكرة ثلاثة محاور رئيسية للإصلاح:

أولاً: جعل الوقاية من النزاعات وبناء السلام أولوية صريحة في برامج المساعدات الموجهة إلى الدول الهشة أو المتأثرة بالنزاعات، وفق معايير واضحة وبالتشاور مع الشركاء المحليين.

ثانياً: ضمان أن تُصمم جميع أشكال المساعدات، بما فيها المساعدات الموجهة إلى قطاع الأمن، بطريقة تسهم فعلياً في الحد من مخاطر النزاعات، وأن تكون منسجمة مع الجهود الدبلوماسية التي تقودها وزارة الخارجية الأمريكية.

ثالثاً: تعزيز التمويل المخصص لاغتنام الفرص الناشئة لدعم جهود الوقاية من النزاعات وعمليات السلام، مع تبسيط الإجراءات الإدارية التي تعيق دعم صانعي السلام المحليين، وخاصة النساء والشباب والفئات المهمشة.

الشراكات وآليات التمويل

تشدد المذكرة على أهمية اعتماد نماذج شراكة أكثر مرونة واستدامة، تراعي خصوصيات السياقات المحلية، بما يحد من أنماط المساعدات الجامدة أو تلك التي تهيمن عليها مصالح المؤسسات الدولية الكبرى.

كما تدعو إلى تعزيز التكامل بين المساعدات الأمريكية، وتمويل التنمية، وعمل المؤسسات المالية الدولية في الدول المتأثرة بالنزاعات، مع منح مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (U.S. International Development Finance Corporation – DFC) دوراً أكثر حضوراً.

وفي هذا السياق، تؤكد الوثيقة ضرورة توجيه نسبة أكبر من التمويل إلى الفاعلين المحليين في مجال السلام، بما يعزز الملكية الوطنية، ويزيد من شرعية التدخلات، ويرفع من استدامة نتائجها.

الإصلاحات المؤسسية

تولي المذكرة أهمية خاصة لتعزيز دور وزارة الخارجية الأمريكية في مجالات تحليل النزاعات، وإدماج المنظور الجندري، ودعم عمليات السلام، وجهود الاستقرار، والإشراف الدبلوماسي على برامج المساعدات.

كما توصي بتحسين التنسيق داخل الحكومة الأمريكية بشأن مساهمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الدول المتأثرة بالنزاعات، مع منح وزارة الخارجية دوراً قيادياً أكبر في توجيه هذه السياسات.

وتدعو الوثيقة أيضاً إلى الحفاظ على الدعم الأمريكي لآليات الأمم المتحدة الخاصة بحفظ السلام، وبناء السلام، والوقاية من النزاعات.
المقترحات التشريعية

على الصعيد التشريعي، توصي المذكرة بتعديل قانون المساعدات الخارجية لعام 1961 بما يكرس الوقاية من النزاعات، وتسويتها، وبناء السلام كأهداف رئيسية للمساعدات الأمريكية.

كما تقترح تعزيز وتوسيع عدد من المبادرات التشريعية المطروحة أمام الكونغرس، من بينها نسخة مطورة من قانون إعادة تفويض قانون الهشاشة العالمية (GFA Reauthorization Act)، وقانون الوقاية من النزاعات (Conflict Prevention Act)، إلى جانب التشريعات المتعلقة بالتنمية المحلية والمساعدات الإنسانية التي يقودها الفاعلون المحليون.

وتدعو كذلك إلى إنشاء صندوق لاغتنام فرص عمليات السلام (Peace Process Opportunity Fund)، وإعادة تفعيل آليات الاستجابة السريعة المستوحاة من مكتب مبادرات الانتقال (Office of Transition Initiatives) التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، فضلاً عن تعزيز دور مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية في البيئات الهشة.

قراءة تحليلية

لا تقتصر هذه المذكرة على الدعوة إلى إعادة توزيع الموارد المالية، بل تطرح رؤية متكاملة تقوم على تحقيق الانسجام بين المساعدات الخارجية والدبلوماسية والسياسة الخارجية الأمريكية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الوقاية من النزاعات أقل كلفة وأكثر فعالية من التعامل مع تداعياتها بعد اندلاعها.

وتستند هذه الرؤية إلى اعتبار السلام مصلحة عامة استراتيجية تخدم في آن واحد الشعوب المتضررة، وتعزز مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وتسهم في استقرار البيئات الإقليمية.

ومن هذا المنظور، تمثل الوثيقة أكثر من مجرد مذكرة تقنية؛ فهي دعوة صريحة إلى إصلاح سياسي ومؤسسي وتشريعي شامل للهندسة الأمريكية للمساعدات الخارجية.

للعلم، يُعد التحالف من أجل بناء السلام (AfP) شبكة تضم أكثر من 300 منظمة تعمل في 181 دولة، وتجمع بين منظمات المجتمع المدني والخبراء والباحثين والممارسين لدعم سياسة غير حزبية تتمحور حول تعزيز السلام، والوقاية من النزاعات العنيفة، والحد من الهشاشة، وترسيخ أسس السلام المستدام.

-Alliance for Peacebuilding ( AfP) التحالف من أجل بناء السلام عضو ‘’ Future of Peace and security Coallition’’ وائتلاف مستقبل السلام والأمن

The post هندسة أمريكية جديدة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress