هل ينجح ترامب في إخضاع إيران دون حرب شاملة؟
في أروقة صناعة القرار في واشنطن، ربما لم يعد مضيق هرمز سوى تفصيل في استراتيجية أوسع باتت تُعرف بـ"الخنق الصامت"، حيث نقلت الولايات المتحدة بنك أهدافها من الساحل إلى شل شريان الحياة اللوجستي في العمق الإيراني، مع وضع سيناريوات جاهزة لاستهداف الرؤوس القيادية.
هذه المواجهة التي يقودها صقور إدارة دونالد ترامب، بعد رفض تفاهمات الاتفاقات السابقة المبهمة، تبدو كفخ نُصب بعناية لكبح نفوذ طهران الإقليمي دون الانزلاق إلى مستنقع حرب شاملة. ومع تضييق هذا الطوق الجغرافي، يبرز السؤال: هل تنجح إدارة ترامب في إجبار طهران على إعادة صياغة سلوكها الإقليمي وفق الشروط الأميركية والتخلي عن السيطرة على مضيق هرمز ، أم أن لطهران استراتيجية بديلة للالتفاف على هذا الطوق؟
لغة الحصار السريع وصدمة القيادة
يرى الصحافي عامر ملاعب أن الاستراتيجية الأميركية الحالية "لا تفاضل بين إخضاع النظام الإيراني أو إسقاطه، بل تسير في مسارين متوازيين، إذ تسعى واشنطن لتقويض بنية النظام من الداخل كخطوة استباقية لفرض شروط تفاوضية إذعانية". وقد بدا هذا المسار جلياً بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها واشنطن بالتعاون مع تل أبيب لاستهداف مستويات القيادة والتحكم العليا، وضرب المرافق الحيوية في البلاد لتشتيت مركزية القرار.
وهذا النمط يمثّل جوهر العقيدة الأمنية الأميركية: حصار سياسي واقتصادي وديبلوماسي خانق ومستمر، تتبعه ضربات جراحية قاصمة للمفاصل الحيوية للسلطة لدفعها نحو الانهيار التدريجي.
لكن المعضلة وفق ملاعب، تكمن في أن الحسم الجوي واللوجستي ضد دولة بحجم إيران "يبدو غاية في الصعوبة". وتراهن واشنطن هنا على مفاعيل الحصار الاقتصادي الطويل "لتحفيز الجبهة الداخلية والمعارضة على التحرك". ومع ذلك، يصعب التنبؤ بانهيار سريع لنظام بنى شرعيته الصلبة على هندسة البقاء تحت الحصار لأربعة عقود. و هنا يراهن الطرفان على عامل الوقت، ليبقى السؤال: من منهما يملك ترف الصبر؟
معركة القانون وحافة "الستين يوماً"
تسببت هذه الحرب بنشوء نظام إقليمي ودولي جديد، حيث يطفو على السطح عتب واشنطن على الحلفاء الأوروبيين المتوجسين من انفراد أميركا بمكاسب النفوذ بعد الحرب.
في المقابل، تستثمر روسيا والصين في هذا الصراع لإغراق القوة الأميركية في وحل حرب استنزاف طويلة، حيث تواصل ناقلات النفط الصينية عبور الحصار دون اعتراض من أي من الطرفين، وسط تقارير تؤكد تقديم بكين وموسكو دعماً استخباراتياً عبر الأقمار الصناعية المتطورة وسلاحاً نوعياً لطهران.
وتعتمد إدارة ترامب على مناورة قانونية، إذ يستغل الرئيس الثغرات القانونية التي تمنحه حق توجيه ضربات عسكرية محدودة دون العودة للكونغرس بشرط ألا تتجاوز 60 يوماً. وتتحرك الإدارة حالياً عبر إعلان العمليات كضربات محدودة، متبوعة بالدفع نحو اتفاقات وقف إطلاق نار مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإعادة الكرة.
لكن هذه المناورة تقترب من جدارها المسدود مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، ومخاوف أسواق الطاقة من قفزة جنونية في أسعار النفط.
/WhatsApp%20Image%202026-07-15%20at%206.41.09%20AM.jpeg)
"ما دون الحرب"
في قراءة تتقاطع مع تشخيص الأزمة اللوجستية، يرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور أن "التفكيك التدريجي" ليس أداة لإسقاط النظام مباشرةً، بل هي "عملية إعادة صياغة ميزان القوى لمصلحة واشنطن" قبل الجلوس إلى أي طاولة مفاوضات مستقبلاً.
وخطوة نقل بنك الأهداف الأميركية من مضيق هرمز إلى العمق الإيراني لضرب المخازن اللوجستية وخطوط الإمداد يهدف إلى رفع تكلفة المواجهة على طهران، وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية تمتد إلى ترسانتها الصاروخية الباليستية، وقدراتها البحرية، ونفوذ وكلائها الإقليميين. ورغم أن هذا الضغط قد يولد تصدعات في الجبهة الداخلية الإيرانية.
وتتبنى إدارة ترامب عقيدة عسكرية تقوم على صيغة "ما دون الحرب الشاملة"، وهي تعتمد على توجيه ضربات منتقاة وعالية التأثير دون الحاجة لإنزال عسكري أو عمليات برية واسعة النطاق.
هذا النمط يسمح لواشنطن بالإبقاء على زمام المبادرة الميدانية وتدمير البنى التحتية العسكرية ومراكز القيادة الحساسة لطهران دون التورط في حرب إقليمية مفتوحة تستنزف القدرات الأميركية، ما يمنح الديبلوماسية هامشاً للمناورة، ويضمن بقاء قنوات التفاوض مواربة خلف خطوط النار.
وعلى خلاف التحفظات العلنية، يرى أبو النور أن الموقف الأوروبي يشهد تحولاً براغماتياً صامتاً، إذ يميل الحلفاء الغربيون إلى تقديم دعم استخباراتي ولوجستي غير مرئي لتأمين خطوط الملاحة وتطويق التهديدات الإيرانية.
سياسياً ودستورياً، يستطيع الرئيس الأميركي إدارة هذا النمط من العمليات العسكرية المحدودة مستنداً إلى صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة، تحت غطاء حماية المصالح القومية وتأمين الملاحة الدولية.
ويخلص أبو النور إلى أن استدامة هذه الاستراتيجية مرهونة بقدرة إدارة ترامب على موازنة جبهتها الداخلية وإقناع الرأي العام والحلفاء بأن العمليات لا تزال تندرج تحت بند "الردع الدفاعي المحدود"، وليست بداية لتورط بري واسع النطاق يهدف لتغيير النظام بالقوة.