هل يعيد جيل ألفا الحياة إلى السينما أم يغيّر قواعدها؟
في لحظة تاريخية تتسم بالقلق داخل صناعة السينما، يبرز جيل ألفا بوصفه أملاً جديداً يعيد الجمهور إلى صالات العرض. لكن قراءة متأنية للبيانات والسلوكيات تكشف أنّ ما يحدث ليس "إنقاذاً" بقدر ما هو تحوّل عميق في طبيعة التجربة السينمائية نفسها.
جيل ألفا وُلد داخل الشاشات
يُعدّ جيل ألفا - المولود بين عامي 2010 و2020 - أول جيل نشأ بالكامل داخل بيئة رقمية مشبعة: هواتف ذكية، منصّات بثّ، وخوارزميات تُحدّد ما يُشاهَد وكيف. في هذا السياق، لم تعد الصورة حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الحالة الافتراضية للحياة اليومية.
هنا تحديداً تنشأ المفارقة؛ فبدل أن يُبعدهم هذا التشبّع عن السينما، يبدو أنّه يدفعهم نحوها، ولكن لأسباب مختلفة جذريّاً عمّا عرفته الأجيال السابقة. تشير بيانات حديثة إلى أن نحو 59 في المئة من أفراد هذا الجيل يفضّلون مشاهدة الأفلام في صالات العرض، وهي نسبة تفوق بعض الفئات الأكبر سنّاً.

هذا الميل لا يرتبط بالحنين، إذ إن هذا الجيل لا يمتلك ذاكرة سينمائية تقليدية، بل يرتبط بالاكتشاف؛ إذ إنّ السينما بالنسبة إليهم ليست استمراراً لما يعرفونه، بل خروجاً عنه.
من استهلاك المحتوى إلى اقتصاد التجربة
التحوّل الأساسي الذي يفرضه جيل ألفا ليس كمّياً، بل نوعي. فالنموذج التقليدي للسينما - القائم على العادة الأسبوعية - يتراجع تدريجيّاً، ليحلّ مكانه ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"اقتصاد التجربة". في هذا النموذج، لا تكمن القيمة في الوصول إلى المحتوى، إنّما في شدّة التجربة وفرادتها.
ضمن هذا الإطار، تتحوّل صالة السينما إلى فضاء اجتماعي مشترك وبيئة حسّية عالية الكثافة وطقس جماعي له بعد رمزي. وهذا ما يفسّر تصاعد أهمية صيغ العرض المتقدّمة مثل IMAX و3D، إلى جانب العروض الحدثية (Event Screenings) وإعادة إطلاق الأفلام ضمن مناسبات خاصة. بعبارة أدقّ، لم تعد السينما مجرّد قناة لتوزيع الأفلام، بل أصبحت أداة لإنتاج "الحدث".
جيل زد يحرّك السوق وجيل ألفا يعيد رسمه
رغم التركيز الإعلامي على جيل ألفا، تشير البيانات إلى أن المحرّك الفعلي الحالي لشباك التذاكر هو جيل زد. ففي عام 2025، ارتفعت نسبة حضور هذا الجيل إلى دور العرض بنحو 25 في المئة، بمتوسط يتجاوز ست زيارات سنويّاً. كما أنه يؤدّي دوراً حاسماً في إعادة تشكيل أنواع الأفلام الناجحة، حيث تتصدّر اقتباسات ألعاب الفيديو، والأنمي، والهجائن الثقافية المشهد.

لكن أهمية جيل ألفا تكمن في مكان آخر؛ إذ إنّه الجيل الذي سيحوّل هذه العادات من ظواهر موقتة إلى بنية دائمة، أي أنّه لا يقود السوق اليوم، بل يحدّد اتجاهه المستقبلي.
إلى ذلك، لم تعد تجربة السينما محصورة داخل القاعة، مع تنامي منصّات جماهيرية مثل "تيك توك"، والتي حوّلت مشاهدة الأفلام إلى عملية اجتماعية ممتدّة تبدأ قبل العرض وتستمر بعده، ومن خلالها يتم تصنيف الأفلام، تحليلها، تحويلها إلى "ميمز"، وإعادة إنتاجها ثقافيّاً.
في هذا السياق، تصبح السينما موضوع نقاش جماعي ومادة لإعادة التأويل وأداة للانتماء الثقافي. وقد انعكس ذلك في ظواهر جماهيرية حيث يتحوّل العرض إلى أداء شبه مسرحي: جمهور يرتدي أزياء، يتفاعل بصوت مرتفع، ويشارك في التجربة بدل أن يكتفي بتلقيها. بهذا المعنى، تقترب السينما من منطق الحفلات الموسيقية أكثر من القاعات الكلاسيكية.
نهاية الروتين وعودة "المناسبة"
تعتمد سينما القرن الحادي والعشرين بشكل متزايد على الكثافة بدل التكرار. وتشير أبحاث أكاديمية، من بينها دراسات صادرة عن جامعة هارفرد، إلى أنّ الحضور السينمائي أصبح مرتبطاً بالأحداث الكبرى والعروض التي تحظى بزخم اجتماعي، بدل الزيارات الروتينية.

بالنسبة إلى جيل ألفا، لا تمثّل السينما وسيلة سهلة للوصول إلى المحتوى - فهذا متاح دائماً - بل تمثّل لحظة استثنائية تستحق التخطيط والمشاركة. وبذلك، بات الذهاب إلى السينما اليوم فعلاً مقصوداً وتجربة جماعية وذكرى قابلة للاسترجاع.
ولعلّ المفارقة الأعمق، مفارقة العصر الرقمي، تكمن هنا: كلما ازداد حضور الشاشات في الحياة اليومية، ازدادت قيمة التجارب المادية النادرة. والسينما اليوم تقدّم لجيل ألفا ما لا يمكن أن تمنحه الخوارزميات، من حيث الحجم الحقيقي للصورة والإحساس الجماعي بالانتباه والانفصال الموقّت عن التدفّق الرقمي. وبالتالي، لا تدخل السينما في منافسة مباشرة مع منصّات البثّ، إنّما تتحرّك في مستوى مختلف تماماً.
السؤال إذاً ليس "هل ينقذ جيل ألفا السينما؟"، بل "ماذا يجعل من السينما شيئاً مختلفاً عمّا كانت عليه؟". ما يحدث اليوم يشير إلى انتقال واضح من نشاط روتيني إلى حدث اجتماعي، ومن استهلاك فردي إلى تجربة جماعية، ومن منتج ثقافي إلى لحظة ثقافية. إنّها إعادة تعريف لوظيفة السينما داخل المجتمع، وليست إحياءً لنموذج قديم.
إذا كان تاريخ السينما قد ارتبط دائماً بتحوّلات جمهورها، فإنّ جيل ألفا لا يعيدها إلى الماضي، بل يدفعها نحو شكل جديد بالكامل. سينما أقلّ اعتماداً على العادة، وأكثر ارتباطاً بالحضور. أقلّ استهلاكاً، وأكثر تجربة. وفي هذا التحوّل، تعيد السينما اختراع نفسها.