هل يتورّط الشرع في محاربة “حزب الله”؟

برزت في الآونة الأخيرة تقارير عديدة تتحدّث عن إمكانية تدخّل الجيش السوري في لبنان لمحاربة “حزب الله”، ونزع سلاحه بطلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا الطلب ليس جديدا في واقع الأمر، فقد كشف عنه لأوّل مرة المبعوث الأمريكي إلى لبنان وسوريا، توم باراك، إثر الزيارة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة في شهر نوفمبر 2025، إذ صرّح بعدها باراك أنّ ترامب طلب من الشرع التدخّل في لبنان لنزع سلاح “حزب الله” بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وقبل الشرع طلب ترامب. وانتظرنا بعدها أن يكذّب الرئيس السوري أو أحد مساعديه تصريح باراك، لكنّ ذلك لم يحدث.
واليوم، تتجدّد الفكرة الجهنّمية، ويصرّح ترامب في قمة مجموعة السبع قبل أيام، بأنه طلب من حلفائه الصهاينة ترك مهمة القضاء على “حزب الله” للرئيس الشرع، وذكّره بأنّه هو الذي أوصله -بمساعدة الأتراك- إلى سدّة الحكم في سوريا في 8 ديسمبر 2024، وكأنّه يطالبه الآن بـ”ردّ الجميل” من خلال غزو لبنان ومحاربة “حزب الله” وتعريض الجنود السوريين لخطر الموت لتحقيق الحلم الصهيوني بتجريد الحزب من سلاحه!
في الواقع لا خوف على “حزب الله” من الشرع أو غيره؛ فما فشل فيه الاحتلال الصهيوني منذ نشأة الحزب في 1982 إلى اليوم، لن يستطيع الشرع إنجازه؛ فجيشه المثخن بجراح الحرب الأهلية (2011- 2024)، والذي دمّر الاحتلال جلّ أسلحته الثقيلة التي آلت إليه عقب سقوط نظام بشار الأسد، ليس أقوى من الجيش الصهيوني المدعوم بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا الأمريكية والغربية، وقد حاول الصهاينة طيلة 44 سنة القضاء على “حزب الله” وفشلوا، واضطرّوا إلى الانسحاب مهزومين مدحورين في ماي 2000، وحينما أعادوا الكرّة في حرب تموز 2006 هزموا مجددا، ونسوا بعدها فكرة نزع سلاح “حزب الله”، إلى أن بدأت حرب إسناد غزة في 8 أكتوبر 2023، فعادوا إلى طرحها، وفشلوا في ذلك طيلة ثلاث سنوات من الحرب وأصبحت مسيّرات الحزب التي تعمل بالألياف البصرية تفتك في الأشهر الأخيرة بجنودهم وآلياتهم العسكرية في “الشريط الأمني” بجنوب لبنان، ولذلك سارع ترامب إلى فرض اتفاق إطاري بين الحكومتين اللبنانية والصهيونية لوقف الحرب وتقليص خسائر حلفائه الصهاينة، واستنجد بالشرع لتولي مهمة نزع سلاح “حزب الله”.
قلنا إنّه لا خوف على “حزب الله”، وما فشل فيه الصهاينة لن يتمكّن الشرع من إنجازه، ولكننا نأمل أن لا يتورّط الرئيس السوري في هذه المهمّة القذرة خدمة للمشروع الصهيوني التوسّعي في المنطقة؛ فسوريا العروبة كانت داعمة لقضايا الأمة وللمقاومة في المنطقة، ونربأ بها أن تنكص الآن على عقبيها وتتحوَل إلى خنجر في ظهرها وتنخرط في هذا المشروع الصهيوني الخطير، وهي مهمة غير مشرّفة لمن يقوم بها وستبقى وصمة عار تطارده إلى الأبد.. “حزب الله” يحارب الاحتلال ويدعّم المقاومة الفلسطينية في غزة، فكيف يقبل الشرع لنفسه بأن يقوم بمحاربته لصالح العدو؟ إذا كان هناك من هو جدير بالحرب، فهو هذا العدو الذي يحتلّ أجزاء واسعة من جنوب سوريا ولا يبعد عن دمشق سوى ببضع وعشرين كيلومترا وليس “حزب الله”.
هذه الحرب -إن وقعت لا سمح الله- ستضعف الطرفين المتحاربين معا ولن يستفيد منها سوى الاحتلال الذي سيتفرّج عليهما متلذّذا متشفّيا وهما يقتتلان ويتفانيان، وسيوفّر الاحتلال أرواح جنوده في حين يموت جنود سوريون في سبيل تحقيق أجندته!
ثم إنّ هذه الفتنة المنتنة، إن وقعت، ستعمّق أكثر الخلافات والاصطفافات الطائفية في المنطقة، وتكرّس العداوات التاريخية بين السنة والشيعة وتزيد الأمّة الإسلامية الواحدة تشرذما وانقساما وضعفا. لذلك، نرجو أن لا تقع وأن يرفض الشرع دعوة الرئيس الأمريكي كما رفض الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله من قبل دعوته إلى توطين سكان غزة في مصر والأردن، وقاوما ضغوطه الهائلة إلى أن نجحا في دفعه إلى العزوف عنها.
سوريا غارقة في مشاكلها المعقَّدة بعد نهاية الحرب الأهلية وفي مقدّمتها أزمتها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، وإعادة إعمار ما تهدّم خلال الحرب، وتوفير الأجواء المناسبة لعودة ملايين النازحين، وملفَّا الأكراد والدروز، والاحتلال الصهيوني لأجزاء واسعة من الجنوب السوري… هذه الملفات الملحّة وغيرها أدعى للمعالجة من التورّط في حرب طائفية خاسرة تغرق المنطقة في العداوات والأحقاد وعدم الاستقرار خدمة للعدو الصهيوني.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post هل يتورّط الشرع في محاربة “حزب الله”؟ appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk