هل يتحول ملف سبتة ومليلية إلى ورقة ضغط في التوتر الأمريكي الإسباني؟

عاد ملف سبتة ومليلية ليطرح بقوة في سياق “متوتر” بين واشنطن ومدريد يعزى إلى موقف هذه الأخيرة من حرب أمريكا وإسرائيل على إيران؛ فمن الخرجات الإعلامية لمايكل روبين، السيناتور الأمريكي مستشار البانتاغون السابق، لصحيفة “لا راثون” التي اعتبر فيها أن من الواجب على أمريكا تصحيح خطأ تاريخي آخر والاعتراف بسبتة ومليلية كأراضٍ مغربية محتلة، إلى تقارير صحيفة “لبيرتال ديجيتال” التي أفادت بأن الصحافة الإسرائيلية تتداول دعم تل أبيب للرباط لاستعادة سبتة ومليلية (الشيء الذي نفته إسرائيل رسميا)، وصولا إلى تقرير في الكونغرس الأمريكي كشفت صحيفة “ال كونفيدينسال” مضمونه، اعتبر أن سبتة ومليلية “جيبان لا يزالان موضوعا للمطالبة التاريخية للمغرب”.

التقرير الذي صدر عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب بالكونغرس عبر أيضا عن دعم اللجنة الوساطة الأمريكية من بين المغرب وإسبانيا بشأن مستقبل سبتة ومليلية. كما ذكر أن ماريو دياز-بالارت، نائب رئيس لجنة الاعتمادات، سبق أن أعلن لصحيفة “الإل إسبانيول” أن المدينتين تقعان في المغرب وليس خارجه.

توتر بين واشنطن ومدريد

اعتبر الباحث المختص في العلاقات المغربية الإسبانية نبيل دريوش أن “مضمون التقرير يرتبط أساسا بسياق عام برزت فيه قضية سبتة ومليلية في تقاطع مع مواقف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وذلك في ظل توتر العلاقات بين مدريد وواشنطن بسبب موقف حكومة بيدرو سانشيز من الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على إيران”.

وأوضح دريوش، في تصريح لهسبريس، أن ما جاء في التقرير يبرز تغيرا في اللغة المستعملة لوصف مدينتي سبتة ومليلية بـ”الجيبين”، إلا أن الأمر لا يرقى إلى أن يعتبر تحولا أو تعبيرا عن موقف سياسي مباشر.

وأشار المصرح ذاته إلى إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حظر استخدام القاعدتين العسكريتين الأمريكيتين في إسبانيا روتا ومورون لشن هجمات ضد إيران، ورفض بلاده التورط في حرب الشرق الأوسط. واعتبر دريوش أن الموقف الأخير أزعج واشنطن للغاية.

وأضاف أن هذا الوضع أفرز توترا حاليا بين وزارة الدفاع الإسبانية والإدارة الأمريكية، بلغ حد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإخراج إسبانيا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما استدعى رد وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلز، التي أكدت، في أكثر من مناسبة، أن بلادها “لا تقبل الدروس”، مبرزة أنها من بين أكثر الدول مساهمة داخل الحلف.

وفي هذا السياق المتسم بتوتر دبلوماسي واضح بين البلدين، قال دريوش إنه يتم اللجوء إلى توظيف أوراق ضغط مختلفة، من بينها ملف سبتة ومليلية، الذي أعادت الولايات المتحدة إثارته منذ أن قام السيناتور الأمريكي المستشار السابق في البنتاغون مايكل روبن بنشر مقال يدعو فيه إسبانيا إلى إنهاء استعمار المدينتين، ما أثار جدلا واسعا في الصحافة اليمينية الإسبانية.

وأضاف الباحث المختص في العلاقات المغربية الإسبانية أن السياق الذي طبع هذه الإشارة لا يتيح النظر إليها كتحول سياسي صريح في موقف الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص هذا الملف.

ورقة دبلوماسية إضافية

قال المحلل السياسي كريم عايش إن “هذا الموقف يُجسّد النهج المغربي الثابت في ملف استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية ومعها الجزر المحتلة الأخرى نموذجا فريدا في الدبلوماسية الهادئة؛ إذ آثر المغرب دائما مسار الحوار الثنائي المبني على اتفاقيات حسن الجوار والشراكة المتبادلة، بدلا من الانجرار نحو لغة التصعيد التي تُغلق الأبواب وتُضيّع الفرص”.

وأضاف عايش أن “إقرار الكونغرس الأمريكي بأن مستقبل المدينتين يستوجب ‘دعم جهود وزير الخارجية لتعزيز الحوار الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا’ (كما ورد في التقرير)، يُثبت أن الطرح المغربي القائم على التفاوض لا المواجهة بات يحظى باعتراف دولي متصاعد”.

وواصل قائلا: “مستقبل سبتة ومليلية، بما تحملانه من أبعاد تاريخية وجغرافية عميقة، لا يمكن أن يُرسَم خارج إطار الحوار المغربي-الإسباني المباشر القائم على الندية والاحترام، بعيدا عن أي وصاية خارجية مهما علا شأنها”.

هذا الحدث، حسب المحلل السياسي ذاته، يظهر أن الكونغرس رأى أن المغرب، في إطار برنامج التمويل العسكري الخارجي الذي يقره كل سنة، ركيزة أمنية لا غنى عنها، بفعل قربه من أوروبا وثقله في ملفي الهجرة والأمن الدولي، وتتجلى هذه المكانة كذلك في عمق الشراكة المغربية-الإسبانية، ما يجعل من العلاقة بين الدولتين نسيجا يصعب إعادة رسمه بمعزل عن إرادتهما المشتركة.

وتابع المصرح ذاته أنه “مهما مرت العلاقة بين المغرب وإسبانيا من مراحل متعاقبة من التعاون والتوتر في ملفات الهجرة والأمن والسياسة الخارجية، غير أن هذا التعقيد لم يمنع البلدين من الحفاظ على خيوط التواصل؛ إذ تجمعهما مصالح في مجالات الأمن (…) وهو ما يثبت أن منطق الاشتراك في المصالح يتغلب دائما على منطق الخلاف في السيادة”.

واعتبر عايش أن “دعوة الكونغرس الأمريكي إلى الحوار لا تُضعف الموقف المغربي، بل تُسلّط الضوء دوليا على شرعية المسار الذي يتبناه المغرب منذ سنوات ما يمنح فرصة لتحويل قضية سبتة ومليلية من ملف خلافي عالق إلى نقطة انطلاق لشراكة مغربية-إسبانية تؤطّرها المصلحة المشتركة”، موردا أن طرح هذا الملف يُثبت أن النقاش حول المدينتين بات يتخطى الإطار الثنائي، مما يمنح المغرب ورقة دبلوماسية إضافية.

The post هل يتحول ملف سبتة ومليلية إلى ورقة ضغط في التوتر الأمريكي الإسباني؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress