هل كشف النموذج الإيراني نهاية وهم الحسم الجوي؟

مقدمة

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، مثّل التفوق الجوي أحد أهم ركائز القوة العسكرية الأمريكية، حتى بدا أن السيطرة على السماء أصبحت قادرة على تحقيق أهداف سياسية كبرى دون الحاجة إلى حروب برية طويلة أو احتلالات مكلفة. وقد عززت التطورات التكنولوجية في مجالات الذخائر الدقيقة، والاستطلاع، والقيادة والسيطرة، الاعتقاد بأن الولايات المتحدة دخلت عصرًا جديدًا تستطيع فيه الجمع بين القوة العسكرية الهائلة وسرعة الحسم مع تقليل الخسائر.

في هذا السياق، نشر روبرت باب عام 1996 كتابه الشهير “القصف من أجل الانتصار: القوة الجوية والإكراه في الحرب “”Bombing to Win: Air Power and Coercion in War، الذي لم يكن مجرد دفاع عن القوة الجوية، بل محاولة للإجابة عن سؤال استراتيجي أساسي: متى تستطيع القوة العسكرية، وخاصة القوة الجوية، إجبار الخصم على تغيير سلوكه السياسي؟ وتبرز إيران اليوم بوصفها حالة فاقعة وكاشفة لحدود هذا النموذج التقليدي للهيمنة عن طريق القوة الجوية.

وتزداد دلالة هذه الحالة مع انتقال التفكير الأمريكي من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى التفكير في ضرب البنية التحتية للطاقة، باعتبارها محاولة للضغط على قدرة الدولة الإيرانية على الصمود وليس فقط على قدرتها العسكرية. فحين تصبح منشآت الطاقة هدفًا للعمليات العسكرية، فإن ذلك يكشف أن المعركة لم تعد تدور فقط حول التفوق في السماء، بل حول قدرة كل طرف على تحويل القوة إلى تأثير سياسي واقتصادي.

نظرية الإكراه بالقوة الجوية

جاءت أفكار روبرت باب في أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991، التي بدت آنذاك نموذجًا لانتصار التكنولوجيا العسكرية، ثم عززتها حملتا البوسنة وكوسوفو في تسعينيات القرن الماضي، حيث ظهر الاعتقاد بأن القوة الجوية قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية دون تدخل بري واسع. لكن تطورات العقود اللاحقة أعادت طرح السؤال من جديد: هل يمثل التفوق الجوي طريقًا مضمونًا إلى الحسم السياسي، أم أن القدرة على تدمير الخصم تختلف عن القدرة على إخضاعه؟ وتزداد أهمية هذا السؤال اليوم مع عودة روبرت باب نفسه إلى النقاش في مقاله المنشور في مجلة Foreign Affairs  في 24 يوليو 2026 الموسوم “إيران والتحولات الجديدة في قواعد القوة العالمية”، حيث ينتقل النقاش من مجرد فعالية الضربات العسكرية إلى السؤال الأوسع: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستدامة؟

لم ينطلق روبرت باب من فكرة مبسطة مفادها أن القصف الجوي وحده يكفي للفوز بالحروب. بل حاول بناء نظرية أكثر تعقيدًا حول العلاقة بين القوة العسكرية والقرار السياسي. فالحرب، في نظره، ليست مجرد عملية تدمير مادي، وإنما وسيلة للتأثير في حسابات الخصم. والهدف الحقيقي من استخدام القوة ليس فقط إلحاق الخسائر، بل إقناع الخصم بأن استمرار المقاومة أصبح أكثر تكلفة من التراجع. وهنا يظهر مفهوم الإكراه (Coercion). فالقوة الجوية تكون ناجحة عندما تستطيع تغيير حسابات القيادة السياسية للخصم، وليس فقط عندما تستطيع إصابة أهداف عسكرية.

لكن نجاح الإكراه يعتمد على شروط محددة: طبيعة النظام السياسي للخصم؛ ودرجة اعتماده على منشآت أو بنى يمكن تدميرها؛ وقدرة القيادة على السيطرة على قواتها؛ ووجود أهداف سياسية واضحة يمكن الضغط من خلالها.  وهذه الشروط لا تكون متوفرة دائمًا، وهو ما يفسر اختلاف نتائج الحملات الجوية من حالة إلى أخرى.

من بغداد إلى بلغراد… العصر الذهبي للقوة الجوية… لكن الخصوم تعلموا الدرس بطريقتهم  

في تسعينيات القرن الماضي، بدا أن الولايات المتحدة اكتشفت نموذجًا جديدًا للحرب: تفوق جوي ساحق، خسائر بشرية محدودة، وقدرة على التأثير السياسي دون احتلال بري واسع. ولقد قدم هذا النموذج إجابة جذابة لمعضلة قديمة: كيف يمكن استخدام القوة العسكرية دون دفع تكلفة سياسية وبشرية مرتفعة؟

لقد بدت حرب الخليج ثم البوسنة وكوسوفو وكأنها تقدم الحل. فالطائرات تستطيع الوصول إلى أهدافها، والأسلحة الدقيقة تقلل الأضرار، والخصم يجد نفسه أمام ضغط متزايد دون أن تدخل الولايات المتحدة في حرب استنزاف طويلة. ومن هنا نشأت قناعة بأن عصر الجيوش الضخمة والاحتلالات الطويلة قد يكون انتهى، وأن القوة الجوية أصبحت الأداة الرئيسية لإدارة الأزمات الدولية.

لكن الخصوم لم يقرأوا هذه التجارب بالطريقة نفسها التي قرأتها واشنطن. فبينما رأت الولايات المتحدة في حرب الخليج دليلًا على تفوق التكنولوجيا، رأى آخرون فيها درسًا مختلفًا: لا يمكن مواجهة القوة الأمريكية في المجال الذي تتفوق فيه، لذلك يجب تقليل قيمة هذا التفوق. لم يكن الرد هو بناء قوة جوية مماثلة، فهذا غير ممكن بالنسبة لمعظم القوى الإقليمية، بل تطوير وسائل تجعل التفوق الجوي أقل قدرة على إنتاج الحسم.

ومن هنا ظهرت استراتيجيات تقوم على الصواريخ بعيدة المدى؛ والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة؛ والحرب الإلكترونية؛ والانتشار اللامركزي؛ والشبكات المسلحة؛ وتعدد ساحات المواجهة.  أي أن الخصوم لم يحاولوا إسقاط الطائرة الأمريكية فقط، بل حاولوا تقليل أثر ما تستطيع هذه الطائرة تحقيقه.

الدرس الإيراني: ليس المهم الضرب… بل الحسم

تمثل إيران حالة نموذجية لهذا التحول. فهي لم تسع إلى منافسة الولايات المتحدة في بناء قوة عسكرية تقليدية مماثلة، بل بنت منظومة هدفها الأساسي هو منع تحقيق حسم سريع. إن القدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والانتشار الإقليمي، وتعدد أدوات الردع، تجعل أي حملة جوية معها أكثر تعقيدًا من مجرد تدمير أهداف ثابتة. وهنا يعود السؤال المركزي: إذا كانت الطائرات تستطيع تدمير الأهداف، فهل تستطيع إجبار الخصم على تغيير إرادته السياسية؟ هذه هي النقطة التي تواجه عندها القوة الجوية حدودها.

لا تزال الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ عمليات جوية هائلة، ولا تزال التكنولوجيا العسكرية الأمريكية متقدمة بفارق كبير في مجالات عديدة. لكن المشكلة الاستراتيجية لم تعد في القدرة على الضرب. المشكلة في القدرة على الحسم. فالضربات الجوية يمكن أن تكون ناجحة جدًا من الناحية العسكرية، لكنها لا تصبح انتصارًا استراتيجيًا إلا إذا تحولت إلى نتيجة سياسية واضحة. وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: النجاح التكتيكي (أولا) وهو القدرة على إصابة الأهداف المحددة وتدمير القدرات العسكرية المطلوبة؛ النجاح العملياتي (ثانيا) وهو تنفيذ الحملة العسكرية وتحقيق أهدافها المباشرة. النجاح الاستراتيجي (ثالثا) وهو تحويل الإنجاز العسكري إلى تغيير سياسي مستدام في سلوك الخصم. وقد يتحقق النجاح الكامل في المستويين الأول والثاني، بينما يبقى المستوى الثالث أكثر صعوبة.

“الصمود والاستنزاف” مقابل “القصف والترويع”

إن القوة الجوية تستطيع أن تدمر المنشآت، وتعطل القيادة، وتلحق خسائر كبيرة، لكنها لا تستطيع دائمًا تغيير إرادة خصم يمتلك القدرة على الصمود والتكيف وإعادة تنظيم قدراته. وهنا تكمن المفارقة التي أشار إليها روبرت باب منذ كتابه الأول. أجل، يمكن للقوة الجوية الصاعقة أن تُضعف الخصم، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تُخضعه. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع الطائرات إصابة أهدافها؟ بل: هل يستطيع هذا التدمير أن يغيّر القرار السياسي للخصم؟ فليس المهم أن تكون الضربة ناجحة عسكريًا، بل أن تكون قادرة على صناعة الحسم.

لقد أعادت الحروب الحديثة الاعتبار إلى عناصر كانت تبدو أقل أهمية في عصر التفوق التكنولوجي. فالقدرة الصناعية، والمخزون، والإنتاج المستمر، والقدرة اللوجستية، وطول النفس الاقتصادي، أصبحت جميعها عوامل حاسمة. فالذخائر الدقيقة تحتاج إلى إنتاج مستمر. والطائرات المتطورة تحتاج إلى قواعد وصيانة وإمدادات. والتفوق العسكري يحتاج إلى اقتصاد قادر على تحمله. وهكذا عادت الحرب لتصبح منافسة بين منظومات كاملة، وليس مجرد مواجهة بين أسلحة متقدمة.

إن التحولات الحديثة تكشف نقلة نوعية من هيمنة القوة إلى إدارة الصراع ذلك أن المشكلة ليست في تراجع القوة الأمريكية، بل في تغير طبيعة استخدامها. فالتفوق العسكري لا يزال ضروريًا، لكنه لم يعد كافيًا. إن الخصم في حالة إيران لا يسعى إلى هزيمة القوة المتفوقة عسكريًا، بل إلى منعها من تحويل تفوقها إلى نتيجة سياسية. وهذا يتم عبر إطالة أمد الصراع؛ ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية؛ وتوزيع القدرات؛ والتكيف مع الضربات؛ وتحويل الحرب إلى اختبار للقدرة على التحمل.  وهنا تصبح إدارة الزمن والصمود عناصر استنزاف لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح.

ختاما: لم تعد السماء مفتاح الحسم

المفارقة التاريخية أن روبرت باب كتب كتابه الأشهر في مرحلة بدا فيها أن السماء أصبحت مفتاح الحسم. لكن العقود الثلاثة الماضية كشفت أن القوة الجوية، رغم استمرار أهميتها، فقدت قدرتها على احتكار صناعة النتائج السياسية. لقد كانت بغداد عام 1991 لحظة صعود الاعتقاد بأن التكنولوجيا تستطيع اختصار الحرب. وكانت البوسنة وكوسوفو محطتين عززتا الثقة بأن القوة الجوية تستطيع تحقيق أهداف استراتيجية دون تدخل بري واسع. لكن التجارب اللاحقة أظهرت أن الخصوم تعلموا كيف يتجاوزون هذا النموذج، ليس بمنافسة الولايات المتحدة في السماء، بل بجعل التفوق الجوي أقل قدرة على إنتاج الحسم.

ولعل أهمية عودة روبرت باب إلى هذا النقاش في مقاله الأخير حول إيران تكمن في أنه لا يعلن نهاية القوة الأمريكية، بل يشير إلى أن قواعد استخدام القوة نفسها تغيرت. فالولايات المتحدة ما زالت قادرة على الضرب. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع الضربات أن تتحول إلى حسم؟ إن الدرس الأساسي ليس نهاية القوة الجوية، ولا نهاية التفوق العسكري الأمريكي، بل نهاية الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده يكفي لصناعة الهيمنة. ففي حروب القرن الحادي والعشرين، لا ينتصر فقط من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحويل قوته إلى نتيجة سياسية، وإدارة الزمن، وتحمل الكلفة، والتكيف مع عالم تتغير فيه قواعد الصراع باستمرار. فالقوة الجوية قد تكسب المعركة، لكنها لا تحسم الحرب إلا عندما تنجح في تغيير إرادة الخصم. فالحالة الإيرانية أثبتت بالملموس أن السماء لم تعد وحدها طريق الحسم، بل أصبحت مجرد ساحة من ساحات صراع متعدد المجالات، يُحسم بقوة الدولة على الجمع بين القوة العسكرية والإرادة السياسية والقدرة على الصمود.

*خبير دولي في الحكامة وباحث ومحاضر في الشؤون السياسية والاستراتيجية

اقرأ المقال كاملاً على لكم