هل فقدت إيران السيطرة على الفصائل العراقية؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في ظل تصاعد ضغوط الحرب في المنطقة، يبرز تحوّل لافت في طريقة إدارة إيرانلملف الميليشيات في العراق، يقوم على منح القادة الميدانيين هامش حركة أوسع. هذا التوجّه لا يبدو مجرد تعديل تكتيكي، بل يفتح باب التساؤل عما إذا كانت طهران تعيد تنظيم نفوذها، أم أن قدرتها على ضبط الفصائل بدأت تتراجع فعلياً.

وفي هذا السياق، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن إيران منحت قادتها الميدانيين صلاحيات أكبر في إدارة الفصائل داخل العراق، ما أتاح لبعض الجماعات تنفيذ عمليات من دون موافقة مباشرة، في تحول يرتبط بضغوط الحرب وتبدّل أولوياتها الميدانية.

هذا التحول يكتسب أهمية إضافية في ظل واقع عراقي معقّد، حيث يُموَّل عدد من هذه الفصائل عبر الموازنة العامة، وهي مندمجة في المنظومة الأمنية، ما يضع بغداد أمام معادلة حساسة بين الاحتواء والضبط، ويعرّضها لانتقادات أميركية متزايدة تتهمها بعدم اتخاذ موقف أكثر صرامة.



قيادة لامركزية... وضبط حكومي محدود
انطلاقاً من هذا الواقع، تكافح الحكومة العراقية لاحتواء هذه الجماعات أو ردعها، على رغم تصاعد الضغوط الأميركية. ووفق مسؤولين تحدثوا إلى "أ ب"، فإن الفصائل الأكثر تشدداً تعمل اليوم تحت إشراف مستشارين إيرانيين، لكن ضمن هيكل قيادة لامركزي يمنحها هامش تحرك أوسع.

ولا يمكن فصل هذا النمط عن تداعيات الحرب في المنطقة، التي كشفت هشاشة مؤسسات الدولة العراقية وقدرتها المحدودة على كبح هذه الجماعات. كما أن التوتر الموازي بين واشنطن والفصائل ساهم في تعميق الأزمة، إذ باتت هذه المجموعات تتحرك كامتداد للنفوذ الإيراني، وتكثّف هجماتها على الأصول الأميركية في العراق، خصوصاً في المراحل التي سبقت تثبيت وقف النار الهش.



من التبعية إلى التماهي الاستراتيجي
في تفسير هذا التحول، يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور إياد العنبر لـ"النهار" إن "إدارة إيران للملف العراقي لم تعد تُدار بالصورة المركزية التي يجري الترويج لها. فصحيح أن هناك تنسيقاً قائماً بين الحرس الثوري والفصائل المسلحة، خصوصاً في ما يتعلق بفتح جبهات الإسناد، إلا أن كثيراً من هذه الفصائل لم يعد بحاجة فعلية لهذا التنسيق، بعدما بات يمتلك مصادر تمويله وسلاحه وقدرته الذاتية على التحرك".

ويضيف أن "القادة الميدانيين باتوا يتصرفون وفق منطق وحدة الساحات، أي الانخراط في دعم إيران ميدانياً من دون انتظار توجيهات مباشرة، ما يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة من التبعية إلى التماهي الاستراتيجي". وفي المقابل، تبدو الحكومة العراقية، وفق هذا التوصيف، خارج معادلة التأثير، سواء في الحسابات الإيرانية أو حتى الأميركية، ما يضعف قدرتها على ضبط الفصائل أو منع التصعيد.

ويشير العنبر إلى أن هذا "التداخل في الأدوار يعكس غياب نقاط الالتقاء بين مختلف الأطراف، ويجعل مسألة احتواء الميليشيات أكثر تعقيداً". حتى الولايات المتحدة، بحسب تقديره، لم تعد تعوّل على الحكومة الحالية، بل توجّه إليها اتهامات ضمنية، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل هذه الفصائل.

 

 

مقاتلان من فصائل موالية لإيران بالعراق، (ارشيفية، رويترز).

 

 

تراجع النفوذ أم إعادة تموضع؟
في المقابل، يقدّم رئيس مركز المورد للدراسات والإعلام نجم القصاب قراءة مختلفة نسبياً، إذ يرى أن إيران "لم تعد تمتلك مستوى السيطرة نفسه الذي كانت تتمتع به قبل الحرب"، معتبراً أنها "فقدت جزءاً مهماً من قدرتها على ضبط الفصائل المسلحة في العراق".

ويشير إلى أن بعض هذه الفصائل "لم يعد يلتزم التوجيهات الإيرانية بشكل كامل"، بل اتجه نحو الانخراط في العملية السياسية، سواء في السلطتين التشريعية أو التنفيذية، ما يعكس تحوّلاً في سلوكها ووظيفتها.

ويضيف القصاب أن عدد الفصائل التي لا تزال ترفع شعار "المقاومة" تقلّص إلى ثلاث أو أربع مجموعات أساسية، في وقت تحاول طهران الحفاظ على نفوذها الإقليمي رغم التحديات المتزايدة. ويرى أن إيران "تلقت انتكاسات واضحة في أكثر من ساحة، وخصوصاً في سوريا ولبنان، ما ينعكس تراجعاً تدريجياً في قدرتها على إدارة ملفات المنطقة، بما فيها العراق".

 

"دولة داخل الدولة"... معضلة بنيوية
يتصاعد الضغط على العراق وسط تناقض جوهري: فالميليشيات التي تعجز الحكومة عن ضبطها ترتبط في الوقت نفسه بالقوى السياسية الحاكمة.

ويقول مصدر سياسي عراقي لـ"النهار" إن "ما نشهده اليوم هو نتاج بنية عسكرية–عقائدية تشكّلت على مدى أربعة عقود، تقوم على أيديولوجيا تعبئة قتالية عميقة"، مشيراً إلى أن هذه الفصائل "اكتسبت شرعية مرحلية خلال الحرب ضد تنظيم داعش، إذ لعبت دوراً أساسياً في وقت تلاقى فيه الجهدان الأميركي جواً والإيراني براً".

لكن التحول المفصلي، وفق المصدر، جاء مع تأسيس "الحشد الشعبي" كهيئة رسمية، ما أدخل هذه الفصائل في بنية الدولة وموازناتها، وأوجد تناقضاً بنيوياً واضحاً: قوى عقائدية مسلحة تعمل داخل مؤسسات الدولة، لكنها تحتفظ بولاءات عابرة لها. ويشير المصدر إلى أن "الحشد لم يعد كياناً موحداً، بل بات منظومة متعددة القيادة، ما يعقّد مسألة السيطرة المركزية".

الأخطر أن نفوذ هذه الفصائل لم يقتصر على الحشد، بل تمدّد داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما خلق ما يشبه "دولة داخل الدولة" مدعومة بغطاء سياسي، في ظل نظام ديموقراطي سمح بتغلغلها من دون ضوابط مقابلة.

ويخلص المصدر إلى أن أي محاولة حكومية لفك الارتباط مع هذه الفصائل أو مواجهتها عسكرياً "قد تؤدي إلى انهيار سريع لمؤسسات الدولة"، في ظل امتلاكها قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، ما يجعل الضغوط الأميركية في هذا الاتجاه مطالب شبه مستحيلة في التوقيت الراهن.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية