هل على أوروبا التفتيش عن أوربان آخر؟
وصل جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الثلاثاء 7 نيسان/ أبريل الجاري، إلى بودابست في زيارة تهدف إلى إيصال رسالة دعم من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، قبيل الانتخابات البرلمانية.
أتت زيارة دي فانس، في عناوينها الواضحة، والتي تتضمن التأكيد على متابعة استراتيجية ترامب التي أعلن عنها والتي تتضمن محاربته اليسار الراديكالي والديموقراطيين في بلاده وفي العالم. إذ جسّد أوربان على مدى 16 عاماً نموذجاً من الحليف الأوروبي الموثوق لواشنطن، ليس على صعيد التلاقي في الطروحات السياسية والدينية وحسب، لكن في تبنيه مواضيع اجتماعية طرحها ترامب كبنود أساسية في سياساته، على رأسها محاربة الهجرة.
هذا، وكانت المجر قد أفرزت نتائج انتخاباتها التي أجريت الأحد 12 نيسان، بمتابعة عن كثب في أنحاء الدول الأوروبية وروسيا، فوز زعيم المعارضة المجرية، بيتر ماغيار، المقرّب من الاتحاد الأوروبي، على منافسه التقليدي أوربان، بنتيجة ساحقة. فاز حزب "تيسا" الذي يشكل مزيجاً من يمين الوسط واليسار بـ 137 مقعداً من أصل 199 عدد المقاعد البرلمانية في المجر، على منافسه التقليدي حزب "فيدس" الذي يرأسه أوربان.
حجر العثرة
في الوقت الذي يحتفل الأوروبي بهزيمة أوربان "حجر العثرة" والصديق المقرّب من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والمعرقل لكثير من مقررات الاتحاد الأوروبي لاسيما فيما خصّ الحرب الدائرة في أوكرانيا، ومنع فرض العقوبات على روسيا، يقع الأوروبي أمام توجسّ حقيقي أمام هذا الفوز من أن تشهد السياسة الخارجية للمجر تغييراً جذرياً تجاه أوكرانيا وقضايا أخرى.
لا نقاش بأن الترحيب الأوروبي، يقابله هواجس حتمية من أن تنتهي "نشوة" الانتصار على واقع محتوم لأوروبا بين المطرقة الروسية التي تستمر في حربها في شرق أوروبا، والسندان الأميركي الذي يهدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع فرض عقوبات على بعض الدول بسبب الأزمة الإيرانية المستجدة.
قراءة في النتائج أكثر من أساسية ولكنها تحمل في طياتها تخوفاً من أن تكون واشنطن نصبت "مصيدة" للاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن هناك من طرح إشكالية حول زيارة دي فانس إلى البلاد دعماً للزعيم أوربان. إذ وضعها البعض في خانة "الدعم الغدار" لاسيما وأن مزاج الناخب الهنغاري متدن كما حال الناخب الأوروبي عموماً تجاه إدارة ترامب وسياساته وتصريحاته.
إشكالية وجودية
إن وصول ماغيار يضع الاتحاد الأوروبي أمام إشكالية وجودية جدية، إذ توقع كيريل دميترييف رئيس الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، على منصة "إكس" أن تؤدي الانتخابات البرلمانية في هنغاريا إلى "تسريع انهيار الاتحاد الأوروبي" مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال 4 أشهر. هذا التوقع ليس ببعيد عن أهداف زيارة دي فانس، الذي تدرك إدارته أن تقديم الدعم للزعيم أوربان، سيعطي الأفضلية لوصول المعارض، وهنا بيت القصيد في ظلّ تصريحات ماغيار تجاه روسيا تحديداً في ما خص تنويع مصادر الطاقة إذ رغم العقوبات الأوروبية على روسيا إلا أنّ أوروبا لم تزل تستورد الغاز الطبيعي من روسيا بكميات لا بأس بها.
تعمّد الأميركي على اتباع سياسة التدخل في الانتخابات، إذ، على ما يبدو، جرت الرياح تمامًا كما تشتهي السفن الأميركية. فالأميركي يريد وصول زعيم مجري لا يشكل "شوكة" في خاصرة أوروبا، تحديداً في الشأن الأوكراني بعدما كانت الدول الأوروبية تمتعض في العلن وتحتفل في السرّ على معارضة أوربان لمعظم قراراتها.
وضع صعود ماغيار أوروبا أمام خيارين أحلاهما مرّ، فالانفتاح على روسيا يعني الاستسلام لشروط الحرب الروسية، ما يعني هزيمة مدوية للاتحاد الأوروبي بعدما تخلى عنه الأميركي. أو اختيار مسايرة أميركا من جديد ما يعني إشراك أوروبا ليس فقط في فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، لكنّ إشراكها في ضرب الأذرع الإيرانية من "حزب الله" إلى الحوثي إلى الحشد الشعبي، ما يعني إعادة تعويم صورة إسرائيل في أوروبا بعدما بدأت تتآكل وتنهار، مع فرملة الاندفاعة الأوروبية نحو فرض العقوبات عليها.
لا نقاش أن أوروبا المنتصرة اليوم، ستكون غداً أمام واقع مرير قد يضطر بها إلى إعادة قراءاتها نتائج الانتخابات المجرية، وهذا ما سيدفع بها حتماً إلى إيجاد أوربان جديد في إحدى دولها كي تتجنب الأمرين، فمن الزعيم الأوروبي الذي سيكون أوربان الجديد؟
-المقاربة الإعلامية لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية