هل تهزّ مسيّرات زيلينسكي ثقة النخبة الروسية ببوتين؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خلف الدخان المتصاعد من مسيّرات كييف في سماء موسكو، تكمن استراتيجية أوكرانية تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة تفكيك "عقد الأمان" الذي بنى عليه الكرملين استقراره الداخلي.

 

هذا الاختراق الممنهج لقلب العاصمة الروسية، يهدف بالدرجة الأولى وفق مراقبين، إلى ضرب سردية الرئيس فلاديمير بوتين الأمنية، إذ تسعى كييف من خلاله إلى نقل كلفة الحرب من الجبهات البعيدة إلى عقر دار النخبة الحاكمة في روسيا، ما يؤسس لتصدعات صامتة في جدار الثقة بين الرئاسة ومحيطها الضيق.


وهنا يبرز السؤال الإشكالي: إلى أي مدى يمكن للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن ينجح في تحويل هيبة موسكو المستباحة إلى ضغط سياسي حقيقي يُحدث شروخاً بين بوتين ونخبته الحاكمة، أم أن هذه الضربات قد ترتد عكسياً في شد عصب الداخل الروسي؟


مسيّرات كييف تفكّك "عقد الأمان"


في قراءة ميدانية، يؤكد رئيس تحرير موقع "أوكرانيا اليوم" محمد العروقي لـ"النهار"، أن "ما كان يُعد ضرباً من الخيال في شباط/فبراير 2022 أصبح واقعاً يفرض نفسه"، إذ نجحت المسيّرات الأوكرانية في قصف العمق الروسي وصولاً إلى موسكو وسانت بطرسبرغ، مسببةً "شروخاً عميقة في الدعاية الرسمية للكرملين"، كما "بدأت ببث القلق" في صفوف المواطنين الروس.

 

خناق التكنولوجيا وتململ صامت


يوضح العروقي أن الفجوة البشرية الهائلة بين الطرفين، حيث يتخطى الجيش الروسي المليون جندي مقابل نحو 200 ألف مقاتل أوكراني، فرضت على كييف اللجوء إلى التكنولوجيا لتعويض النقص البدني، وتجلى ذلك في عمليات نوعية نفذتها القوات الخاصة الأوكرانية، كـ"عملية العنكبوت" في حزيران/يونيو 2025 التي دمرت طائرات استراتيجية، توازياً مع تدمير جسور القرم واستهداف المنشآت النفطية.

 

خلف جدار التكتّم الإعلامي في موسكو، يتحدث العروقي عن "ملامح امتعاض" يتسلل إلى النخب الروسية الحاكمة والاقتصادية، إذ تشير التقارير الدولية إلى أن هذه النخب باتت تُعيد تقييم جدوى مغامرة عسكرية دخلت عامها الخامس بعدما وُعدت بحسمها خلال أسابيع، خاصة مع "الأضرار البالغة التي لحقت بالقطاعين العام والخاص والتهديد الأمني الذي بات يمسّ كل محافظة روسية".

 

يرى العروقي أن خيارات الرئيس الروسي "باتت ضيقة جداً"، فالاستمرار في الحرب يعني "مواجهة نزيف بشري"، بينما اللجوء إلى خيارات غير تقليدية "قد يفجّر حرباً عالمية أو أوروبية شاملة".


الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. (سبوتنيك)

 

 

ضربة لشرعية "الدولة الحامية"


يرى مدير مركز "فيجن" للدراسات الاستراتيجية سعيد سلّام  أن الأهمية الكبرى للمسيّرات الأوكرانية "لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية المباشرة على إسقاط النظام، بل في نجاحها الرمزي والنفسي في تفكيك عقد الأمان الضمني الذي أسس لشرعية بوتين منذ مطلع الألفية، والقائم على مقايضة الأمن والاستقرار بالقبول بتقييد المجال السياسي".


وينبه سلّام إلى أن وصول الضربات إلى الحواضر الكبرى مثل موسكو وسانت بطرسبرغ "يُسقط تدريجياً سردية العمق الآمن". ومع تكرار إغلاق المطارات وتعطيل الاتصالات، تتحول الحرب من جبهة قتال بعيدة إلى "تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الروسي، ما يخلق استنزافاً نفسياً واجتماعياً متراكماً".

 

لا تتوقف الشظايا الأوكرانية عند الشارع، بل تصيب مباشرة مركز الثقل السياسي والبيروقراطي في موسكو. ويرى سلّام أن هذا الاختراق المتكرر لعمق العاصمة "يفجّر ضغوطاً حادة داخل دوائر الحكم ويفرز تساؤلات حيال كفاءة الدفاع الجوي".

 

مأزق الردع

 

يستعرض سلّام لـ"النهار" الخيارات الأمنية المتبقية أمام الكرملين، واصفاً إياها بالخيارات ذات التكاليف المتزايدة:

معضلة الانتشار: تعزيز الدفاع الجوي حول موسكو سيكون حتماً على حساب إضعاف حماية الجبهات والأراضي المحتلة.

الفشل الاستباقي: تكثيف الضربات ضد مراكز التصنيع الأوكرانية لم يحقق نتائج تذكر لسنوات.

الضغط الداخلي: القبضة الأمنية تزيد الاحتقان المجتمعي، خاصة أن تمويل الحرب يستنزف نحو 50% من ميزانية الدولة.

برأي سلّام، المعركة في مرحلتها الحالية غادرت مربع قضم الأراضي، لتصبح معركة كسر إرادات متمحورة حول الإدراك، والشرعية، والردع النفسي، وأن نجاح الكرملين مستقبلاً لن يُقاس بالتقدم الميداني بقدر ما يُقاس بقدرته على استعادة صورة "الدولة الحامية" التي اهتزت بقوة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية