هل تمهد انتصارات الاشتراكيين في نيويورك لتحول داخل الحزب الديموقراطي؟
أسفرت الانتخابات التمهيدية الأخيرة في نيويورك عن نتائج لافتة بعدما تمكن عدد من المرشحين الاشتراكيين الشباب من تحقيق انتصارات في دوائر انتخابية تنافسية، رغم افتقارهم إلى الخبرة السياسية الطويلة والدعم التقليدي الذي توفره المؤسسة الديموقراطية.
وفي هذا السياق، يتساءل الكاتب ويليام ليانغ، في مقال نشره موقع "ذا هيل"، عما إذا كانت المكاسب التي حققها التيار الاشتراكي داخل الحزب الديموقراطي في نيويورك تمثل بداية تحول سياسي على مستوى الولايات المتحدة قادر على إزاحة القيادات التقليدية للحزب، أم أنها تظل ظاهرة محلية ترتبط بخصوصية المدينة.
ويرى الكاتب أن هذه النتائج لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة جهود تنظيمية واسعة قادتها منظمة "الاشتراكيين الديموقراطيين في أميركا" بالتعاون مع شبكة "جاستس ديموكراتس"، حيث اعتمدت الحملات الانتخابية على العمل التطوعي والتنظيم الميداني، إلى جانب خطاب سياسي استهدف الشباب والطبقة المتعلمة وسكان الأحياء التي شهدت تحولات ديموغرافية خلال السنوات الأخيرة.
ويخصص المقال مساحة للحديث عن السياسي التقدمي زهران ممداني، الذي يرى أنه أصبح رمزا لنهج سياسي جديد داخل الحزب الديموقراطي، حتى إن المرشحين الذين يسيرون على خطاه باتوا يوصفون بـ"الممدانيين".

الهياكل التقليدية للحزب
ويشير الكاتب إلى أن هذا النموذج يقوم على بناء قاعدة شعبية بعيدا عن الهياكل التقليدية للحزب، مع الاعتماد على الحركات الاجتماعية وشبكات المتطوعين بدلا من القيادات المحلية أو شبكات النفوذ والمحسوبية التي ظلت مؤثرة في السياسة النيويوركية لعقود.
ويستعرض المقال مثالين يعكسان هذا التحول. الأول يتمثل في فوز داريليزا أفيلا شوفالييه على النائب المخضرم أدريانو إسبايات، أحد أبرز رموز المؤسسة الديموقراطية في أوساط الجالية اللاتينية، والذي اعتمد على نفوذه التاريخي وتحالفاته العرقية التقليدية، بل لجأ إلى حملات استهدفت منافسته، إلا أن ذلك لم يمنع الناخبين، ولا سيما الشباب والوافدين الجدد، من منح أصواتهم لخطاب التغيير الذي رفعته شوفالييه.
ويوضح الكاتب أن شوفالييه نجحت في كسب تأييد الناخبين السود، مع الحفاظ على حضور قوي بين الناخبين اللاتينيين، بينما انحصر تفوق منافسها في بعض المناطق ذات الأغلبية الدومينيكانية في برونكس.
أما المثال الثاني، فيتمثل في فوز كلير فالديز في الدائرة السابعة، بعدما تغلبت على أنطونيو رينوسو، الذي حظي بدعم شخصيات تقدمية بارزة ونقابات عمالية وحزب الأسر العاملة.
ويرى الكاتب أن هذه النتيجة تعكس تحديا متزايدا تواجهه المؤسسة التقدمية التقليدية من قبل جيل جديد من الاشتراكيين، نجح في تنظيم السكان الجدد داخل الأحياء التي تبدلت تركيبتها الاجتماعية بفعل الهجرة الداخلية وارتفاع أسعار العقارات.
وينتقد المقال محاولات بعض قيادات الحزب الديموقراطي التقليل من أهمية هذه النتائج، ومن بينهم زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، الذي اعتبر أن الظاهرة تقتصر على دوائر حضرية ميسورة شهدت عمليات تطوير عمراني.
لكن الكاتب يرى أن هذا التفسير لا يعكس الصورة كاملة، موضحا أن بعض الدوائر التي حقق فيها الاشتراكيون انتصارات تعاني مستويات مرتفعة من الفقر، وهو ما يشير، برأيه، إلى أن هذه التحولات تعكس تغييرا أعمق في تركيبة القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي داخل المدن الأميركية.
#Analysis#
لا يعكس توجها تاريخيا نحو اليسار
ويرفض الكاتب اعتبار نيويورك حالة استثنائية، لافتا إلى أن المدينة نفسها انتخبت قبل سنوات رئيس بلدية معتدلا هو إريك آدامز، ما يعني أن التحول الحالي لا يعكس توجها تاريخيا نحو اليسار، بل هو نتيجة عمل تنظيمي استطاع استثمار تراجع نفوذ الآلات الانتخابية التقليدية القائمة على الولاءات العائلية والعرقية وشبكات النفوذ المحلية.
ويمتد التحليل إلى خارج نيويورك، إذ يرى الكاتب أن الظروف التي أسهمت في صعود الاشتراكيين تتوافر أيضا في ولايات ومدن أخرى، مستشهدا بانتخابات في يوتا وكولورادو، حيث حقق مرشحون يساريون نتائج قوية رغم محدودية مواردهم المالية مقارنة بمنافسيهم، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تنامي قدرة اليسار على المنافسة بالاعتماد على التنظيم الشعبي أكثر من الإنفاق المالي.
ورغم ذلك، يقر الكاتب بوجود استثناءات، أبرزها سان فرانسيسكو، حيث تمكن العمدة دانيال لوري، المنتمي إلى التيار الوسطي، من تشكيل تحالف انتخابي جديد نجح في هزيمة اليسار خلال الانتخابات التمهيدية الأخيرة، بما يدل على أن نموذج ممداني لا يحقق النجاح في جميع البيئات السياسية.
ويخلص الكاتب إلى أن ما يشهده الحزب الديموقراطي يتجاوز مجرد صعود مجموعة من المرشحين الشباب، معتبرا أنه يمثل تحولا في أساليب العمل السياسي داخل المدن الأميركية، وقد يتحول خلال السنوات المقبلة إلى نموذج يعيد رسم موازين القوى داخل الحزب، ويضع المؤسسة التقليدية أمام تحد متزايد للحفاظ على نفوذها السياسي.