هل تستمر حرب إيران حتى سنة 2029؟
"تختلف التقديرات، لكن يبدو أن الرئيس تراجع عن غارات تصعيديّة في نصف دزّينة من المرّات، وادّعى أن الحرب انتهت أكثر من 30 مرة".
مجرّد صدور هذه الكلمات عن الكاتب في صحيفة "وول ستريت جورنال" جيرارد بيكر يظهر حجم امتعاض المحافظين من طريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب الحرب على إيران.
يعتقد بيكر أن حرب ترامب وصلت إلى الجمود، ويلاحظ أن جميع الحروب الأميركية الطويلة، من فيتنام إلى أفغانستان مروراً بالعراق، لم تنتهِ إلا مع رئيس جديد. وهذا ما رجّحه في ختام مقاله بالنسبة إلى الحرب الحالية إذ كتب: "كيف تُنهي فشلاً ذريعاً؟ تتركه إلى الرجل التالي".
وليس بالضرورة أن يكون الإنسان متشائماً لتبنّي وجهة نظره. ترسم الأرقام والأبحاث صورة توضيحية.
حرب إيران... وحروب القرن العشرين
خلال العقود الثمانية الماضية، ومن بين نحو 300 حرب تتبّع نتائجها "برنامج بيانات النزاعات في أوبسالا" (السويد)، خرجت 60 في المئة منها بلا نهاية رسمية. وبحسب "مركز لاهاي للدراسات الاستراتيجية"، تم تسجيل 63 حرباً بين الدول خلال الفترة الممتدة من سنة 1946 وحتى 2005. انتهت نسبة 21 في المئة منها بنتيجة حاسمة و30 في المئة منها بوقف إطلاق نار. ولم تشهد سوى 16 في المئة من الحالات إبرام اتفاقات سلام. لكن بين 1975 و2018، انهارت نسبة 37 في المئة من اتفاقات السلام.

إذا كان بالإمكان استخلاص عبرة من هاتين الدراستين فهي أن احتمال إبرام اتفاق سلام طويل بين واشنطن وطهران هو احتمال متدنّ. حالياً، ثمة أنباء متفائلة عن اقتراب إبرام اتفاق موقت حول ملف مضيق هرمز. حتى لو صحّت تلك الأنباء، ينبغي عدم استبعاد انهيار أي اتفاق بشأنه في المستقبل المنظور. وبالمقابل، لا يبدّد صمود الاتفاق حول هرمز، لو حصل، نقاط التفجير الأخرى.
وثمة دراسة أخرى منشورة سنة 1991 عن جهود الوساطة في 79 نزاعاً دولياً بين 1945 و1989. وجدت الدراسة أن جهود الوساطة أقل تمتعاً بفرص النجاح مع اتساع الفرق العسكري بين القوى المتصارعة ومع اتجاه مكامن الصراع إلى أن تكون آيديولوجية ووجودية، أكثر من كونها أمنية وإقليمية. وهذا ما يساعد على افتراض إمكانية أن يستمر الصراع الحالي لفترة طويلة، بصرف النظر عن تذبذب حدّته.
"حكمة" ترامب مع إيران... خطيرة
اللافت في تحليل بيكر أنه أشاد بـ "حكمة" ترامب في مقاومة التزام أكبر بالحرب الحالية شبيه بالالتزامات البرية خلال الحروب الطويلة السابقة. لا يوافق كل الخبراء العسكريين على توصيفه للواقع. بدون حشد قوات برية، تتقلص فرص إيجاد طريقة لإنهاء الحرب على إيران بانتصار أميركي. كان هذا مثلاً تقييم العقيد المتقاعد من القوات الخاصة في الجيش الأميركي ستيفن كوك، بعدما تطرق إلى نقاط الضعف التاريخية للحملات المقتصرة على القصف الجوي. وتطرّق آخرون إلى مفهوم "حقبة ما بعد البطولة" في أميركا التي بات رؤساؤها يتجنّبون نشر قوات على الأرض حتى ولو أدى ذلك إلى انتصار واضح.

بإمكان ترامب تجنّب الإنزال العسكري على جزيرة خرج تفادياً لمخاطرة غير محسومة النتائج، إذا كانت هذه توصيات القيادة المركزية. لكنّ عدم المخاطرة هذا يقلّل من خيارات ترامب ويجعل المراوحة في الحرب أعلى احتمالاً. ولإيران خبرة في المراوحة المكلفة.
فهي لم تفرج عن الديبلوماسيين المحتجزين لديها إلا في يوم تنصيب رونالد ريغان رئيساً أميركياً، انتقاماً من جيمي كارتر الذي دعم الشاه. دامت معاناة الإدارة والأميركيين حينها 444 يوماً. بالتأكيد، لا تملك إيران اليوم ترف الوقت كما كانت حالها سنة 1979. وترامب أيضاً ليس كارتر، بما أنه يخدم أصلاً ولايته الثانية والأخيرة. لكن ترامب لا يملك جَلَد الانتظار.
بالتالي، إن امتداد الأزمة مع إيران إلى الولاية الرئاسية المقبلة احتمال قائم ولو كان ضئيلاً. ربّما يصعب اليوم تصور أن تستمر الحرب بحالتها الملتبسة حتى سنة 2029. لكن لو قيل لأي مراقب، في شباط/فبراير الماضي، إنّ الحرب على إيران ستستمر ستة أشهر بلا أفق، لَوَاجه صعوبة مماثلة في بناء تصوّر كهذا.