هل تستعد الجزائر لأخطر تهديد غير عسكري في القرن الحادي والعشرين؟

على امتداد التاريخ، كانت الدول تستعد للحروب عبر بناء الجيوش وتحصين الحدود وتطوير منظومات الردع. لكن القرن الحادي والعشرين يفرض معادلة مختلفة تماما؛ فهناك تهديدات لا تعبر الحدود بالدبابات، ولا تظهر على شاشات الرادار، ولا ترفع أعلاما معادية، ومع ذلك قد تكون أكثر تأثيرا من الحروب التقليدية. إنه تهديد الجفاف الاستراتيجي، فإذا كان النفط قد شكّل عصب الجغرافيا السياسية خلال القرن العشرين، فإن المياه قد تصبح المحدد الأكثر حساسية للأمن القومي خلال العقود القادمة.

لعل السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم داخل دوائر التخطيط الاستراتيجي الجزائرية ليس: هل ستواجه الجزائر نقصا مائيا؟ بل:كيف سيعيد التغير المناخي والتحولات الهيدرولوجية الإقليمية تشكيل البيئة الأمنية الجزائرية بحلول 2040م و2050م؟.لأن الدول لا تنهار فقط بفعل الحروب، بل قد تُستنزف أيضا بفعل ندرة الموارد الحيوية.
من مورد طبيعي إلى مورد استراتيجي:
لم يعد الماء في القرن الحادي والعشرين مجرد عنصر طبيعي ضروري للحياة أو خدمة عمومية تتكفل الدولة بتوفيرها للمواطنين، بل أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تحدد قدرة الدول على البقاء والاستقرار والتطور. وإذا كانت الثروة في الماضي تقاس بما تملكه الأمم من أراضٍ خصبة أو موارد طاقوية أو قدرات صناعية، فإن التحولات المناخية المتسارعة، والزيادة السكانية المتنامية، والتوسع الحضري المتسارع، جعلت من الماء موردا استراتيجيا يعاد تعريفه اليوم باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي للدول.
لقد انتقل الماء تدريجيا من كونه قضية تقنية تُعالج داخل الإدارات المختصة بالموارد المائية إلى ملف استراتيجي يناقش داخل مؤسسات التخطيط الوطني ومراكز الدراسات الجيوسياسية وهيئات الأمن القومي. ولم يعد السؤال المطروح هو :كيف يمكن توفير المياه للاستهلاك اليومي فقط؟ بل: كيف يمكن ضمان استدامة هذا المورد الحيوي لعقود قادمة في عالم تتزايد فيه الضغوط البيئية والجيوسياسية بصورة غير مسبوقة؟
الماء اليوم لم يعد موردا بيئيا فحسب، بل أصبح موردا أمنيا بامتياز؛ إذ إن أي اضطراب حاد في إمدادات المياه يمكن أن ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي للدول، ويولّد ضغوطا اجتماعية واقتصادية قد تتحول مع الوقت إلى تحديات أمنية معقدة. والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات قد تتكيف مع كثير من الأزمات، لكنها تجد صعوبة بالغة في التكيف مع الأزمات المرتبطة بالمياه، لأنها تمس الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية بشكل مباشر وفوري.
كما أصبح الماء موردا اقتصاديا استراتيجيا ترتبط به معظم القطاعات الإنتاجية، فالزراعة والصناعة والطاقة والسياحة والتنمية الحضرية جميعها تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على توفر الموارد المائية. وكلما ارتفع الضغط على المياه ارتفعت تكلفة الإنتاج وتراجعت القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. ومن هنا أصبحت إدارة المياه جزءا لا يتجزأ من إدارة التنمية الاقتصادية نفسها، وليس مجرد ملف خدمي مستقل.
أما على المستوى الدولي، فقد تحوَّل الماء إلى مورد جيوسياسي يعيد تشكيل العلاقات بين الدول، فالأحواض المائية المشتركة، والأنهار العابرة للحدود، والخزانات الجوفية المشتركة، أصبحت جميعها عناصر مؤثرة في الحسابات الاستراتيجية للدول. ولم تعد السيطرة على الموارد المائية أو ضمان الوصول إليها مسألة فنية، بل أصبحت جزءا من معادلات النفوذ والتوازنات الإقليمية. وفي عالم تتزايد فيه ندرة المياه، ستصبح القدرة على إدارة الموارد المائية بكفاءة أحد المؤشرات الرئيسية لقوة الدولة ومكانتها الاستراتيجية.
والأخطر من ذلك أن أزمة المياه لا تبقى معزولة داخل قطاع واحد، بل تمتلك تأثيرا متسلسلا يمتد إلى مختلف القطاعات الحيوية، فالدولة التي تفقد أمنها المائي تبدأ تدريجيا بفقدان أمنها الغذائي نتيجة تراجع القُدرات الزراعية، ثم تواجه ضغوطا اقتصادية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، ثم تتعرض لتحديات اجتماعية مرتبطة بتراجع مستويات المعيشة وتزايد التفاوتات التنموية. ومع مرور الوقت، قد تتقلص قدرتها على تنفيذ سياساتها التنموية المستقلة، ويتراجع هامشها الاستراتيجي في التعامل مع الأزمات الداخلية والخارجية.
ولهذا السبب، لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي يُستهلك، بل أصبح موردا استراتيجيا يجب حمايته وإدارته واستشراف مستقبله بالمنطق نفسه الذي تُدار به قضايا الطاقة والدفاع والأمن الغذائي. وكما تحتفظ الدول باحتياطيات استراتيجية من الطاقة، وتضع خططا لحماية أمنها القومي، أصبح من الضروري أن تمتلك رؤى بعيدة المدى لضمان أمنها المائي في مواجهة التحديات المستقبلية.
وفي ضوء هذه التحولات، يمكن القول إن مفهوم السيادة نفسه يشهد إعادة تعريف عميقة، فالدولة التي تعجز عن تأمين احتياجاتها المائية الأساسية قد تحتفظ بسيادتها القانونية والسياسية، لكنها تصبح أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. ومن هنا لم يعد الماء قضية بيئية أو تنموية فقط، بل أصبح قضية سيادية من الدرجة الأولى، لأن التحكم في الماء يعني التحكم في أحد أهم شروط الاستقرار الوطني واستدامة التنمية وصناعة المستقبل.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post هل تستعد الجزائر لأخطر تهديد غير عسكري في القرن الحادي والعشرين؟ appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk