هل ترامب صانع الدّعاية وضحيّتها في آن معاً؟
يقدّم الكاتب جوناثان تشايت قراءة مختلفة لشخصية دونالد ترامب وعلاقته بالدعاية والمعلومات المضللة، إذ يرى أنه ليس فقط صانعاً لها، بل أيضاً ضحية لها في الوقت نفسه.
تاريخياً، رسّخت صورة القائد السلطوي في مخيّلة القرن العشرين نموذج "الأخ الأكبر" الذي يسيطر على آلة دعائية ضخمة، تبثّ خطاب القوة باستمرار وتهاجم الأعداء الحقيقيين أو المتخيّلين بلا توقف.
"الأخ الأكبر"
يشير الكاتب إلى أن ترامب يشبه هذا النموذج من نواحٍ عديدة، سواء بشكل سطحي (هوسه بتمجيد عظمته أو إعادة تسمية مبانيَ قائمة باسمه)، أو بشكل أعمق (الضغط على الإعلام والأعمال التجارية للامتثال، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للانتقام). لكنه يختلف في نقطة أساسية: فهو ليس فقط منتِجاً للدعاية، بل أيضاً متلقٍّ وضحيّة لها.
ويرى تشايت في مقالته في مجلة "ذي أتلانتيك"، أن علاقة ترامب الغريبة مع عالم الأكاذيب تجلّت عندما شهد واحدة من نوبات نشاطه المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ نشر في إحدى الليالي أكثر من عشرين منشوراً على حسابه في منصة تروث سوشال في أقل من ساعة تضمّنت سلسلة من نظريات المؤامرة. حوالي نصفها ركّز على باراك أوباما، متهمةً إياه بالخيانة، ومحاولة الانقلاب، واستخدامه الشخصي لخادم البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون تحت اسم مستعار، وحتى حصوله على 120 مليون دولار من قانون الرعاية الصحية.
أما باقي المنشورات فاحتوت هجمات على أهداف مختلفة مثل مارك كيلي، وجيمس كومي، وجاك سميث، وهيلاري كلينتون، الذين يرغب ترامب في اعتقالهم، مع دعوات مباشرة لوزارة العدل للإسراع في توقيفهم، إضافة إلى عدد من مقاطع الفيديو العشوائية التي تبدو كأنها تُظهر أشخاصاً سوداً يتصرفون بطريقة غير لائقة في الأماكن العامة.
واعتبر الكاتب أن هذه الرسائل، مجتمعة، لا تغيّر فهمنا لطريقة تفكير ترامب. فاتهاماته لأوباما تبدو كأنها اعترافات ضمنية.
ويشير النص إلى أن هوس ترامب بالأميركيين السود كمنبع للجريمة هو أمر قديم، رغم أنه قد يكون أصبح أكثر جرأة في التعبير عن تحيّزاته. ورغبته الصريحة في ملاحقة خصومه قضائياً باتت معروفة.

كذلك، يلفت إلى أن طبيعة منشوراته تعكس فتور اهتمامه بالحرب في إيران، رغم أنها كانت من أبرز الملفات السياسية في تلك الفترة.
من الجدير بالذكر أن منشوراً واحداً فقط من هذه السلسلة كان من كتابة ترامب نفسه، بينما كانت البقية إعادة نشر لمحتوى كتبه مؤيدون له على ما يبدو.
وتخلص المقالة إلى أن هذه المنشورات تغذي لدى ترامب شعوره بالارتياب ورغبته في تجريم خصومه. لكنه يترك للآخرين مهمّة ملء التفاصيل. فهو يطرح الفكرة العامة بأن خصومه السياسيين مجرمون وخونة، بينما تقوم حسابات على وسائل التواصل بملء هذا الإطار بقصص تمنح تلك الاتهامات شكلاً أكثر تحديداً، حتى يحاول لاحقاً تحويلها إلى سياسات أو إجراءات قانونية، وقد يقيل من يفشل في جعل الواقع يتوافق مع ما يرى.
لكن المفارقة، وفق تشايت، أن ترامب يبدو كمن يستهلك خطاباً دعائياً لا يقلّ تأثيراً عنه، إلى حدّ يجعله أقرب إلى متلقٍ للمحتوى الرقمي، يعيش داخل دائرة من التفاعل العشوائي على وسائل التواصل، أكثر منه صانعاً له.