هل تحولت مواقع التواصل إلى مصانع لتزييف الوعي السياسي؟
لم يعد الحديث عن الانتخابات في المغرب مرتبطا فقط بالمواعيد الدستورية أو البرامج الحزبية، بل أصبح أيضا رهينا بإيقاع منصات التواصل الاجتماعي التي اشتعلت مبكرا هذه السنة، معلنة انطلاق حملة انتخابية غير رسمية، تتجاوز في حدتها وأدواتها ما هو مؤطر قانونا وأخلاقيا. آلاف الصفحات ظهرت فجأة، تُمجد هذا المرشح وتُسفه ذاك، وتُعيد تشكيل الواقع وفق طلبات مموليها، في مشهد يختلط فيه السياسي بالإعلامي بالدعائي، إلى درجة يصعب معها على المواطن التمييز بين الخبر والرأي، بين الحقيقة والتضليل.
هذه الصفحات، التي تشتغل خارج أي إطار قانوني أو مهني، لم تعد مجرد فضاءات للتعبير الحر كما يُفترض، بل تحولت إلى أدوات ضغط وتوجيه انتخابي، تُستعمل بشكل مكثف من طرف فاعلين سياسيين وحزبيين، بل وحتى منتخبين حاليين، بهدف تلميع صورتهم أو تصفية حساباتهم مع خصومهم. والمفارقة أن هذا النشاط الرقمي المكثف لا يعكس بالضرورة حيوية ديمقراطية، بل يكشف عن أزمة عميقة في أخلاقيات الممارسة السياسية، حيث يتم استبدال النقاش العمومي الرصين بحملات منظمة للتضليل والتشهير.
أخطر ما في هذه الظاهرة هو قدرتها الكبيرة على التلاعب بوعي الناخبين، من خلال ما يمكن تسميته بـ“البورتريه الانتخابي المفبرك“، حيث يتم تقديم مرشحين في صورة مثالية منفصلة تماما عن واقعهم، رغم أن بعضهم موضوع تقارير رسمية تتحدث عن اختلالات أو شبهات فساد، كما هو الحال في تقارير مؤسسات الرقابة. هنا لا يتعلق الأمر بحرية تعبير، بل بعملية ممنهجة لإعادة كتابة السيرة السياسية لأشخاص بهدف تسويقهم انتخابيًا، وهو ما يشكل تضليلًا صريحًا للرأي العام.
كما أن هذه الصفحات تعتمد خطابا نمطيا ومستهلكا، قائمًا على أحكام جاهزة من قبيل “القاعدة الشعبية العريضة” و”الاكتساح المرتقب”، دون أي سند واقعي أو علمي. بل إن نفس الصفحة قد تتحول خلال يوم واحد إلى منصة دعائية لعدة أحزاب متناقضة، مما يكشف أن الأمر لا يتعلق بقناعة سياسية أو خط تحريري، بل بخدمة مدفوعة الأجر تُقدم لمن يدفع أكثر.
هذه الممارسات لا تُسيء فقط إلى العملية الانتخابية، بل تُقوض أيضا ما تبقى من ثقة في العمل السياسي والمؤسساتي، وتضع الإعلام المهني في موقع صعب، حيث يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع محتوى غير مؤطر، لا يخضع لأي ضوابط أخلاقية أو قانونية، ويعتمد على الإثارة والتضليل لجلب التفاعل.
إذا كانت الصحافة المهنية في المغرب تخضع لقوانين واضحة، وتمارس ضمن ضوابط أخلاقية ومؤسساتية، فإن ترك هذا المجال الرقمي دون تقنين أو مراقبة يفتح الباب أمام فوضى إعلامية تهدد أسس الاختيار الديمقراطي. فحرية التعبير، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون غطاء لممارسات تضليلية منظمة، خصوصًا حين يتعلق الأمر باستحقاقات انتخابية تحدد مصير السياسات العمومية.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق الدولة، رغم دورها المركزي في التقنين والمراقبة، بل تشمل أيضا الأحزاب السياسية التي أصبحت مطالبة بإعادة النظر في أساليب اشتغالها، والكف عن توظيف هذه الأدوات بشكل يسيء للعمل السياسي. كما أن المجتمع المدني والإعلام المهني مدعوون إلى فضح هذه الممارسات، وتعزيز الوعي النقدي لدى المواطنين، حتى لا يقعوا ضحية لهذا السيل من “المحتوى المسموم”.
لقد تطور وعي جزء كبير من المجتمع المغربي، ولم يعد من السهل تمرير نفس الأساليب القديمة عبر وسائط جديدة. غير أن استمرار هذا الانفلات الرقمي دون تدخل حازم، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، وتحولها إلى مجرد سباق في صناعة الوهم. وإذا كانت الديمقراطية تقوم على الاختيار الحر والمستنير، فإن أول شروط هذا الاختيار هو توفر معلومة نزيهة وموثوقة. وكل انحراف عن هذا المبدأ، مهما كان مبرره، لا يخدم سوى العبث السياسي، ويهدد بتقويض ما راكمه المغرب من مسار إصلاحي، مهما كانت محدوديته.