هل تتحول "أوسلو" إلى منصة أممية أمريكية لمفاوضات الصحراء المغربية؟
أثار اللقاء الذي جمع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، على هامش منتدى أوسلو 2026، علامات استفهام كثيرة بشأن إمكانية تحول العاصمة النرويجية إلى منصة لاحتضان جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين أطراف نزاع الصحراء المغربية، في ظل الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي يسبق الاستحقاقات الأممية المقبلة.
وتعزز هذه التساؤلات طبيعة اللقاء الثلاثي الذي جمع المسؤول الأممي والمسؤول الأمريكي بحضور مسؤولين من الخارجية النرويجية، حيث كشف نائب وزير الخارجية النرويجي، أندرياس كرافيك، عن تبادل وجهات النظر مع ستافان دي ميستورا ومسعد بولس بشأن تطورات الملف، مؤكدا استمرار التزام بلاده بدعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف المعنية بالنزاع.
وفي هذا السياق، فإن اختيار العاصمة أوسلو لاستضافة هذه المشاورات ينسجم مع الدور الذي راكمته النرويج في مجال الوساطة الدولية واحتضان الحوارات السياسية المرتبطة بالنزاعات الإقليمية والدولية.
ويكتسي هذا الاجتماع أهمية خاصة بالنظر إلى توقيته؛ إذ جاء في خضم الجولة الإقليمية التي يقودها دي ميستورا في المنطقة، حيث تشير معطيات أممية إلى أن المبعوث الأممي قطع جزءا من برنامج جولته للالتحاق بمنتدى أوسلو وعقد مشاورات مع المسؤول الأمريكي المكلف بمتابعة الملف، قبل العودة لاستكمال لقاءاته مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع؛ وهو الشيء الذي يعكس مستوى التنسيق القائم بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة بشأن المرحلة المقبلة من العملية السياسية.
ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي بشأن اختيار أوسلو لاحتضان مفاوضات مباشرة بين الأطراف، إلا أن تزامن المشاورات الأممية الأمريكية مع الحضور النرويجي الداعم للمسار السياسي، فضلا عن المكانة التي تتمتع بها أوسلو كفضاء للحوار والوساطة والقرب الجغرافي من أطراف النزاع، يجعلها من بين الخيارات المطروحة لاستضافة لقاءات سياسية مقبلة إذا ما توفرت الشروط اللازمة لإعادة إطلاق المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، في أفق الدفع بالعملية السياسية نحو مرحلة جديدة أكثر دينامية وفعالية.

رسائل أوسلو
في هذا الصدد، قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن اللقاء الثلاثي الذي جمع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، بنائب وزير الخارجية النرويجي، أندرياس كرافيك، على هامش منتدى أوسلو، يعكس الدينامية المتواصلة التي تشهدها الجهود الأممية والأمريكية الرامية إلى الدفع بالمسار السياسي للنزاع، مبرزا أن تعدد فضاءات اللقاءات والمشاورات والأطراف يؤشر على اتساع دائرة الفاعلين المنخرطين في البحث عن تسوية نهائية للملف.
وأوضح أن الاجتماع يتزامن مع الزيارة التي دشنها ستافان دي ميستورا إلى المنطقة، والتي تندرج في سياق خاص يختلف عن الجولات السابقة؛ بالنظر إلى التطورات التي شهدها الملف خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من تحركات دبلوماسية على أكثر من مستوى.
وعرج البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على الدور الذي يمكن أن تضطلع به النرويج مستقبلا، معتبرا أن احتضان أوسلو لهذا اللقاء يبرز تنوع الفضاءات التي تجرى فيها المشاورات والمباحثات المرتبطة بالنزاع، ولا يستبعد إمكانية أن تكون المملكة الاسكندنافية من بين الدول المرشحة لاستضافة لقاءات أو مشاورات سياسية خلال المراحل المقبلة.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض أن الحراك الحالي يعكس وجود إرادة سياسية لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل الدفع بمسار التسوية نحو مراحل أكثر تقدما، وذلك انطلاقا من المرجعيات التي أقرها القرار الأممي رقم 2797، وبالاستناد إلى التحولات التي شهدها الملف على مستوى موازين القوى والواقع الميداني.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث أن الجولة الحالية للمبعوث الأممي تبدو مرتبطة باستكمال ما جرى تداوله خلال المشاورات السابقة والاتصالات التي احتضنتها الولايات المتحدة الأمريكية، مبرزا أن دي ميستورا يعمل على تثبيت مخرجات تلك المحادثات والبناء عليها في إطار مهمته الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف وتهيئة الظروف المناسبة لاستئناف العملية السياسية.
كما استدرك رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات بأن نجاح هذه التحركات يظل رهينا بمدى استعداد مختلف الأطراف للتفاعل إيجابا مع الجهود الأممية والانخراط في دينامية سياسية جديدة، خاصة بعد الصعوبات التي واجهت المبعوث الأممي في جمع الأطراف حول طاولة واحدة خلال السنوات الماضية.
وخلص عبد الفتاح البلعمشي إلى أن الجولة الإقليمية الجارية تمثل اختبارا حقيقيا لقياس حجم التقدم الذي أحرزته الاتصالات والمشاورات الأخيرة، ومدى قدرتها على تهيئة الأرضية اللازمة للانتقال إلى مرحلة جديدة من المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة وبدعم متزايد من الولايات المتحدة الأمريكية.

اختبار سياسي
من جانبه، شدد محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، على أن أهمية لقاء أوسلو لا تكمن في احتمال احتضان النرويج لجولة جديدة من المفاوضات بشأن نزاع الصحراء المغربية، بقدر ما ترتبط بطبيعة الأطراف التي اجتمعت هناك وتوقيت انعقاد اللقاء، مشيرا إلى أن الاجتماع جمع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بالمسؤول الأمريكي مسعد بولس مباشرة بعد جولة شملت مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، بما فيها مخيمات تندوف.
وأضاف ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن دور دي ميستورا لم يعد يقتصر على نقل مواقف الأطراف كما كان الحال في مراحل سابقة، بل أصبح أقرب إلى تقييم مدى انسجام هذه المواقف مع المسار الذي رسمه قرار مجلس الأمن رقم 2797، موضحا أن الإشكال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بما يريده كل طرف، وإنما بتحديد الجهة الأكثر استعدادا للتفاعل مع منطق الحل السياسي الذي يدعو إليه مجلس الأمن.
وسجل الباحث في خبايا النزاع أن وكالة الأنباء التابعة لجبهة البوليساريو حرصت على إبراز تمسك قيادتها بخيار الاستقلال وتقرير المصير بصيغته التقليدية خلال مباحثاتها مع دي ميستورا، معتبرا أن هذه الرسالة السياسية توحي باستمرار التشبث بسقف سياسي يبدو بعيدا عن الدينامية التي تحكم القرارات الأممية الأخيرة، التي تركز على التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق.
وتابع قائلا: “إن لقاء دي ميستورا بمسعد بولس مباشرة بعد زيارة تندوف يمنح هذه المعطيات أهمية إضافية، لأن المبعوث الأممي لا ينقل فقط مواقف الأطراف، بل يقدم أيضا تقييما عمليا لمدى استعدادها للانخراط في المسار السياسي الجاري”، مؤكدا أن اجتماع أوسلو يبدو أقرب إلى محطة للتقييم والتنسيق الاستراتيجي.
ونبه نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات إلى أن التسارع الذي يشهده الملف منذ دخول مسعد بولس بشكل مباشر على خط المتابعة، وحرصه على إبراز مستوى التنسيق القائم مع دي ميستورا، يطرح احتمالين أساسيين؛ أولهما التحضير لجولة تفاوضية جديدة مع ممارسة ضغوط أكبر على الأطراف للالتزام بمنطق القرار 2797، وثانيهما، وهو الاحتمال الذي يرجحه، تخصيص المرحلة الحالية لتقييم سلوك الأطراف وبناء الحجة السياسية والدبلوماسية قبل الاستحقاقات الأممية المرتقبة في أكتوبر المقبل.
وبخصوص دلالات هذا الحراك الدولي، أكد محمد الغيث أن المجتمع الدولي لم يعد يقيّم الأطراف على أساس مواقفها المعلنة فقط، بل أيضا استنادا إلى سلوكها الميداني ومدى التزامها بالمسار السياسي الأممي، وشرح أن التشبث بمواقف يعتبرها متجاوزة لمنطق القرار 2797، بالتزامن مع استمرار التوترات الميدانية ومحاولات المساس بالمنطقة العازلة واستهداف المدنيين، كما وقع مؤخرا بمدينة السمارة، يتحول إلى عنصر مؤثر في التقديرات الدولية بشأن النزاع.
واسترسل المتحدث عينه في القول إن ما يجري حاليا يتجاوز الإعداد لمفاوضات محتملة بين الأطراف، ليشمل كذلك تهيئة الأرضية السياسية والدبلوماسية للقرار المقبل لمجلس الأمن، عبر التمييز بين الأطراف المنخرطة في المسار الأممي وتلك التي تكتفي برفضه أو محاولة تعطيله.
وأجمل المحلل السياسي بالقول إن اتساع الفجوة بين هذه المواقف قد يدفع المجتمع الدولي إلى تبني مواقف أكثر وضوحا وحسما تجاه مستقبل التسوية، في ظل سعي الأمم المتحدة وشركائها الدوليين إلى الدفع بالعملية السياسية نحو مرحلة جديدة أكثر واقعية وارتباطا بالمرجعيات التي حددها مجلس الأمن.
The post هل تتحول "أوسلو" إلى منصة أممية أمريكية لمفاوضات الصحراء المغربية؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.