هل تتحكم الصين بسوق الذهب العالمية؟
يستند قرار السلطات الصينية تقييد أو تعليق بعض معاملات العقود الآجلة المرتبطة بالذهب والفضة في بورصة شنغهاي إلى مجموعة من الاعتبارات المالية والتنظيمية، في مقدمتها الارتفاع الاستثنائي في أسعار المعدنين، وما رافقه من توسع كبير في المضاربات، ولا سيما من جانب المستثمرين الأفراد.
سجل الذهب خلال عام 2025 ارتفاعاً تجاوز 60%، فيما قفزت أسعار الفضة بأكثر من 150%، الأمر الذي جذب أعداداً كبيرة من المتداولين الباحثين عن تحقيق أرباح سريعة. إلا أن الصعود الحاد لم يكن مستقراً، بل تزامن مع تقلبات سعرية قوية، جعلت السوق عرضة لانخفاضات مفاجئة وتصحيحات سريعة تسببت في تكبد عدد كبير من المستثمرين خسائر قاسية. من هنا، يمكن فهم تدخل الهيئات التنظيمية الصينية بوصفه محاولة للحد من المضاربات المفرطة، وليس موقفاً سلبياً من الذهب أو الفضة في حد ذاتهما. فالهدف الأساسي هو تهدئة السوق المحلية، وتقليص المخاطر التي يتعرض لها الأفراد نتيجة استخدام الرافعة المالية في تداول العقود الآجلة، وإعادة قدر من التوازن إلى العلاقة بين حركة الأسعار والقيمة الفعلية للأصول المتداولة.
مخاطر الرافعة المالية ونداءات الهامش
تكمن الخطورة الأساسية في تداول العقود الآجلة في أن المستثمر لا يكون مطالباً بدفع القيمة الكاملة للعقد، بل يكتفي بإيداع مبلغ صغير يعرف باسم "الهامش". ويسمح هذا النظام للمتداول بالسيطرة على عقد ذي قيمة كبيرة باستخدام كمية محدودة من رأس المال. وتعني هذه الآلية أن المستثمر يستطيع، نظرياً، تحقيق أرباح مرتفعة مقارنة بالأموال التي دفعها. لكنها تعني أيضاً أن خسائره قد تتضاعف بالسرعة نفسها عندما تتحرك الأسعار في الاتجاه المعاكس لتوقعاته. فالرافعة المالية لا تضخم الأرباح فقط، وإنما تضخم الخسائر أيضاً.
وعندما تنخفض قيمة العقد إلى مستوى معين، تطلب شركة الوساطة أو البورصة من المستثمر إيداع أموال إضافية للحفاظ على مركزه، وهو ما يعرف بـ"نداء الهامش" (Margin Call). فإذا لم يتمكن المستثمر من توفير السيولة المطلوبة، يُغلق مركزه بصورة إجبارية، وتُباع العقود لتغطية الخسائر.
وقد شهدت الصين، مثل غيرها من الأسواق، موجة من نداءات الهامش بعدما ترسخت لدى المستثمرين قناعة بأن أسعار الذهب والفضة ستواصل الارتفاع من دون توقف. ودفعت هذه القناعة كثيرين إلى شراء العقود باستخدام مستويات مرتفعة من الرافعة المالية. لكن مع حدوث أي انخفاض ولو كان محدوداً، بدأت الخسائر تتراكم، وظهرت طلبات إيداع هوامش إضافية. وعندما عجز بعض المستثمرين عن تلبية هذه الطلبات، اضطروا إلى تصفية مراكزهم. وأدت عمليات البيع الإجباري بدورها إلى مزيد من الانخفاض في الأسعار، ما تسبب في نداءات هامش جديدة، وأوجد حلقة متسارعة من الخسائر والتصفيات.
عليه، لا ترتبط الانخفاضات الكبيرة دائماً بتغير جوهري في أساسيات سوق الذهب أو الفضة، بل قد تكون في جزء منها نتيجة مباشرة لتصفية مراكز المضاربين، خصوصاً عندما تكون الأسواق مشبعة بالعقود الممولة بالهامش.
حدود القرار الصيني
ينطبق الإجراء الصيني أساساً على السوق المحلية والمعاملات التي تتم عبر البورصات الخاضعة للرقابة الصينية، وعلى رأسها بورصة شنغهاي. ومع ذلك، لا تستطيع السلطات الصينية منع المستثمرين بصورة مطلقة من تداول العقود في الأسواق الخارجية، إذا تمكنوا من الوصول إليها. لكن الصين تفرض في الأساس قيوداً صارمة على حركة رؤوس الأموال إلى الخارج، وتراقب عمليات تحويل الأموال وإخراجها من البلاد. ولذلك فإن الجمع بين القيود المفروضة على حركة الأموال والتشدد في تنظيم العقود الآجلة المحلية يمكن أن يقلص قدرة الأفراد على الانخراط في مضاربات مرتفعة المخاطر، ويحد من تسرب رؤوس الأموال إلى منصات تداول خارجية.
بهذا المعنى، لا يستهدف القرار ضبط أسعار الذهب عالمياً، وهو أمر يتجاوز قدرة أي بورصة منفردة، وإنما يهدف إلى حماية الاستقرار المالي الداخلي وتقليل الخسائر التي قد تصيب صغار المستثمرين، ثم تنتقل آثارها إلى المؤسسات المالية وشركات الوساطة.
إعادة الذهب إلى وظيفته الأساسية
يمكن اعتبار هذه الخطوة إيجابية لأنها تساهم في إعادة الذهب إلى وظيفته الأصلية، باعتباره أداة للتحوط والادخار وحماية الثروة، بدلاً من تحويله إلى أداة للمضاربة اليومية السريعة.
فالذهب يُستخدم تاريخياً للحماية من التضخم، وتراجع قيمة العملات، والاضطرابات الجيوسياسية والمالية. لكن عندما تتضخم أحجام العقود الورقية بدرجة كبيرة، ويصبح التداول قائماً على توقعات قصيرة الأجل واستخدام مكثف للرافعة المالية، ينفصل جزء من حركة السوق عن الوظيفة الادخارية للمعدن.
ويختلف شراء الذهب المادي، مثل السبائك والعملات، عن شراء العقود الآجلة. ففي الحالة الأولى يحتفظ المستثمر بأصل ملموس يمكن أن يؤدي وظيفة الادخار على المدى الطويل، أما في الحالة الثانية فهو يتعامل مع عقد مالي يرتبط بسعر الذهب، وقد لا يؤدي في معظم الأحيان إلى تسليم المعدن فعلياً.
ولذلك، فإن تقليص المضاربات الورقية قد يشجع الأفراد على اتباع نهج أكثر توازناً، يقوم على الادخار التدريجي وامتلاك الذهب الفعلي، بدلاً من تعريض مدخراتهم لخطر التصفية القسرية نتيجة تقلبات يومية حادة.
الدور الصيني
لا يعني ذلك أن الصين تتحكم بصورة كاملة بأسعار الذهب العالمية، لأن هذه الأسعار تتأثر بعوامل عديدة، منها سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وأسعار الفائدة، وقوة الدولار، والطلب الاستثماري العالمي، والتوترات الجيوسياسية، ومشتريات البنوك المركزية.
مع ذلك، تمثل الصين لاعباً مؤثراً في السوق بسبب حجم اقتصادها واحتياطياتها وطلبها الاستهلاكي والاستثماري الكبير. وكلما استمر البنك الشعبي الصيني وغيره من البنوك المركزية في شراء الذهب، وفر ذلك دعماً هيكلياً للأسعار، حتى لو لم يمنع وقوع التصحيحات قصيرة الأجل.
ختاماً، يعكس القرار الصيني محاولةً لتحقيق توازن دقيق بين دعم الذهب باعتباره أصلاً استراتيجياً وادخارياً، ومنع تحوله إلى ساحة مضاربة عالية المخاطر. وهو إجراء يحمي المستثمرين الأفراد، ويخفف احتمالات الخسائر الناتجة من نداءات الهامش، ويدعم الاستقرار المالي، مع الحفاظ على دور الذهب في حماية المدخرات والثروات على المدى الطويل.