هل تؤثّر الحرب على تغيير عاصمة إيران؟
احتل موضوع نقل العاصمة الإيرانية من طهران إلى أقصى جنوب الشرق قائمة أولويات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. فطهران تعاني من اكتظاظ سكاني متزايد وتلوث خطير إلى جانب بنية تحتية متآكلة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وصفت مجلة "العالِم الأميركي" الوضع في طهران بأنه "كارثة بيئية". كذلك، تقع طهران أيضاً على فوالق زلزالية.
في مطلع سنة 2025، بدأت دراسة كلفة نقل العاصمة إلى منطقة مكران في محافظة سيستان وبلوشستان على شاطئ بحر عمان. حاجج بزشكيان بأن الموقع يجعل إيران أكثر قدرة على التنافس التجاري. وقال الرئيس الإيراني إنه "لا يمكن تفادي" قرار نقل العاصمة.
إيران والعاصمة الجديدة... عوامل عدة
أظهرت الدراسات الإيرانية أن نقل العاصمة إلى مكران قد يكلّف بين 70 و100 مليار دولار. لطالما وقفت الكلفة والصعوبات اللوجستية خلف التردد في تنفيذ هذا المقترح القديم العهد. الآن، تواجه إيران خياراً صعباً. فكلفة أضرار الحرب وحدها تفوق هذه الأرقام. مع ذلك، يمكن أن تكون إعادة البناء من جديد فرصة لتحقيق إعادة تغيير موقع العاصمة. عرفت إيران عواصم مختلفة باختلاف الحقبات (أصفهان، تبريز...) إلى حين قرر القاجاريون اختيار طهران عاصمة لهم في أواخر القرن الثامن عشر.
لن يكون اختيار العاصمة الجديدة، متى وإذا ما بدأ، منفصلاً عن الاعتبار الجيوسياسي. عانت المدن في النصف الغربي من إيران، بما فيها طهران، من الهجمات الصاروخية للجيش العراقي، خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). في تلك الفترة، شهدت مدينة مشهد في أقصى شرق البلاد نمواً سكانياً كبيراً بسبب موجات النزوح. لكن الحروب الحالية، ونوعية الأعداء، مختلفة عما كانت عليه في الثمانينات.
حتى قبل مشاركة الولايات المتحدة في الهجوم، تمكنت إسرائيل من استهداف أحد المطارات العسكرية في مشهد التي تبعد نحو 250 كيلومتراً فقط عن الحدود مع أفغانستان. كان ذلك في حرب حزيران/يونيو الماضية. حالياً، وبالرغم من تركز القصف الأميركي-الإسرائيلي على مدن النصف الغربي من البلاد، تم تسجيل ضربات كبيرة في أقصى الشرق مثل زاهدان، وفي منطقة مكران نفسها حيث استُهدف ميناء تشابهار الشهير.
من أتاتورك إلى خامنئي
سنة 1923، حين قرر مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك نقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة لأسباب عدة، كان العامل الجغرافي حاضراً. في عمق الأناضول، منحت الجغرافيا صنّاع القرار حماية أمنية. اليوم، إذا قرر الإيرانيون نقل عاصمتهم فسيحدث ذلك بالاتجاه المعاكس، أي من الداخل باتجاه الساحل.
قد تكون مكران أصعب "نسبياً" على الاستهداف الإسرائيلي الجوي، لأنها أبعد من طهران. لكن تطور التكنولوجيا يقلّص المسافات. كذلك، سيعرّض الموقع الساحليّ العاصمة الجديدة المفترضة للحصار أو الاستهداف البحري الأميركيَّين.
لم تكن فكرة نقل العاصمة الإيرانية بعيداً من طهران فكرة جديدة وهي قديمة قدم النظام نفسه، بل أقدم. اقترحها أيضاً المرشد الراحل علي خامنئي سنة 2009 ووافق عليها مجمع تشخيص مصلحة النظام. جاء ذلك عقب زلزال بام المدمر سنة 2003 والذي حصد عشرات آلاف القتلى. لكن الفكرة ظلت نظرية إلى حد بعيد.
مهما كان القرار الإيراني المقبل بشأن العاصمة بعد الحرب، فسيكون مبنياً بشكل أكبر على حسابات جيو-سياسية بالمقارنة مع الحسابات الاقتصادية أو البيئية. فالزلزال هذه المرة، سياسي لا طبيعي. وفي جميع الأحوال، قد لا تُقدم إيران على خطوة كهذه من دون إبرام اتفاق شامل ونهائي مع الأميركيين. بالتأكيد، لن يرغب الإيرانيون بأن تتحول مكران إلى "كاراكاس" جديدة.