هل بعث "حزب الله" فعلاً برسائل إلى دمشق؟
على هامش اللقاء المفاجئ الذي جمع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق قبيل أيام، سرت في أوساط سياسية وإعلامية أحاديث عن رسالة شفوية حملها زعيم المختارة من "الثنائي الشيعي" إلى اللقاء، مضمونها أن هذا الفريق راغب في فتح صفحة جديدة في العلاقة بالحكم الحالي في سوريا، على نحو يحررها من تبعات الماضي القريب وموروثاته.
من حيث المبدأ، يؤكد "حزب الله" لـ"النهار" على لسان مصادر جهازه الإعلامي أن هذا الخبر "غير دقيق"، ولا هو ولا الطرف الآخر من "الثنائي" كلّفا أيّ جهة نقل رسائل شفوية أو مكتوبة إلى الحكم السوري الحالي.
وتضيف المصادر عينها أن الحزب نسج منذ زمن بعيد نسبياً علاقة جيدة مع الجانب التركي، وقد تبدت في محطات ومناسبات عدة كان أبرزها ظهور وفد من الحزب في مؤتمر لدعم القدس نظم في اسطنبول قبل أشهر، ودعيت إلى المشاركة فيه مئات الشخصيات ذات التوجه الإسلامي. ولأن الحزب يعرف طبيعة العلاقة بين أنقرة والحكم الحالي في سوريا، فقد سبق له أن أثار خلال لقاءاته مع قناة الارتباط التركية مستقبل علاقته بالحكم الحالي في دمشق من زاويتين:
الأولى إصرار أجهزة هذا الحكم على الزج الدائم باسم الحزب في العديد من الوقائع والأحداث ذات الطابع الأمني التي تكشف عنها السلطات السورية بين الحين والآخر، كمثل الحديث عن اكتشاف أنفاق حدودية بين البلدين، أو ضبط خلايا ومجموعات تهرب أسلحة وذخائر للحزب، أو القبض على مجموعات هدفها التخريب أو إطلاق صواريخ نحو المواقع الإسرائيلية في الجولان المحتل، أو زعزعة الاستقرار والنظام العام في سوريا.
الثانية هي الإيحاء الدائم بأن الحكم في سوريا مستعد لأداء دور عسكري وأمني في لبنان في مواجهة "حزب الله"، من خلال الحديث عن الدفع بحشود عسكرية إلى الحدود اللبنانية - السورية لجهة البقاع الشمالي، استعدادا للاندفاع نحو البقاع الشمالي ليكرر التجربة السورية الأمنية في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية عامي 1975 و1976، والذي كان فاتحة الدخول السوري إلى عمق الوضع اللبناني لأكثر من ثلاثة عقود.
انطلاقا من هذه الوقائع، كان الحزب يسارع إلى نفي أيّ معلومة في هذا الشأن تصدر عن الجهات السورية متضمنة اتهامات مباشرة له بأنه يعدّ لأنشطة تخريبية في الداخل السوري، أو يستخدم الجغرافيا السورية لتعزيز ترسانته ورفد المخازن. فضلا عن ذلك، فإن الحزب كان يوصل إلى الحكم في سوريا عبر القناة التركية رسائل متتالية فحواها أنه عليم بالظروف والمعطيات التي تفرض على دمشق توجيه الاتهامات الدائمة والمتنوعة للحزب، ويرى أنها بمثابة تعويض لرفضه طلبات متكررة أتته من أكثر من جهة ليكون شريكا في مشاغلة الحزب في الداخل اللبناني. ولأن الحزب يتفهم الوضع، يكون نفيه للاتهامات السورية "ناعما ومهذبا" ينم عن رغبة في عدم فتح باب السجال مع دمشق، خصوصا أنه خرج منذ زمن من الساحة السورية وليس في وارد العودة إليها بتاتا. وفضلا عن ذلك كله، فإن الحزب مرتاح ضمنا إلى أن النظام الحالي في دمشق قد أوقف جولات التفاوض واللقاءات التي عقدها مع الجانب الإسرائيلي، عندما استشعر جسامة إبرام اتفاق مع تل أبيب وتوقيع معاهدة، ولمس ثقل تداعياتها عليه، خصوصا أن فئة كبرى من الشعب السوري ما زالت تعارض في العمق أيّ سلام دائم مع إسرائيل.