هل الفساد أقوى من الأنظمة؟
أخبار العراق تغطي الشاشات العربية. ليس في السياسة- والعراق كان طوال تاريخه في قلب الأحداث- بل في الحملة المستجدة لملاحقة الفاسدين وتحويلهم إلى المحاكمة التي يقودها رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي.
عساه خيرٌ نقول. نقول نحن في لبنان، وقد كنا السباقين في التشريع مع قانون الإثراء غير المشروع "من أين لك هذا" عام ١٩٥٣. ولا نزال السباقين في فضح الفاسدين على الشاشات في برامج خاصة تكشف الفضائح بالأحداث والأسماء. فضحهم فقط، من دون أي نتيجة.
هنالك سرٌ يتعلق بنا، لا يدركه الكثيرون وبخاصة من العرب، وهو الحرية التي قام عليها النظام الحر وليس العكس، لأن الحرية في لبنان نشأت قبل الدستور الذي كرسها عام ١٩٢٦… منذ مئة عام. ولذلك فإن الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي يأخذ كل حريته. أما المحاسبة فموضوع آخر، في ما يتعلق بالمفضوحين أو بالفاضحين.
وأسمح لنفسي هنا بأن أقول إني تواصلت ذات يوم مع رئيس وزراء سابق في السرايا وقلت له: "إما محاسبة من طالتهم أخبار الشاشات وإما محاسبة الشاشات". فتفهّم ووعدني خيراً، وبالطبع لم يحصل شيء. ولن يحصل شيءٌ في المدى المنظور، علماً أن لبنان عرف في تاريخه الاستقلالي الحديث كباراً كانوا أكبر من إغراءات المال. المال والسلطة.
ولكن مع التمنيات أن تصل الملاحقات العراقية إلى خواتيمها المرجوة، من الصعب على مختلف الأنظمة العربية أن تصل إلى مرحلة "دولة القانون". ذلك أن الشرق معقّد منذ عقود وسنوات، ومن الصعوبة على أنظمته أن تصبح خاضعة لقانون المحاسبة. فأنظمته إما أنها سلطوية وديكتاتورية، وإما أنها وراثية، وفي مختلف الحالات والظروف لن تتشابه مع أنظمة الغرب. ولذا كان شارل ديغول قد كتب في مذكراته، مذكرات الحرب: "Vers l’Orient compliqué je volais avec des idées simples" أي نحو هذا الشرق المعقد إني أطير بأفكارٍ بسيطة. وذلك من البوابة اللبنانية بالطبع.
حدث ذلك منذ عقود، على أبواب الحرب العالمية الثانية. ولكن باريس اليوم تحاكم نيكولا ساركوزي الخلف السادس لذلك الكبير الذي تضجّ فرنسا اليوم بفيلم سينمائي عنه، لأنها لا تجد في تاريخها، منذ أيام نابوليون الذي غادر الحكم عام ١٨١٥ إلى منفاه في جزيرة القديسة هيلانه، سوى شارل ديغول.

أنظمة الغرب تحاسب، وها هي إسبانيا تحاكم اليوم أحد أبرز وزرائها وأقرب شخص إلى رئيس الحكومة بدرو سانشيز، الوزير السابق للنقل جوزي لويس أبولاس، وتسحب جواز السفر من زوجة رئيس الحكومة برغونا غوميز التي تلاحق قضائياً منذ عام ٢٠٢٤، مخافة أن تلوذ بالفرار. زوجة رئيس الحكومة! وهو ما زال يقاوم للبقاء في منصبه. في أيّ حال، فقد سبق لإسبانيا أن أجبرت ملكها خوان كارلوس على التنازل عام ٢٠١٤ بتهم الفساد، إذ لم يكتفِ وارث آل بوربون ولويس الرابع عشر بالعرش، فسمح لنفسه بأن يقبل كما قال في مذكراته "هدية" من الملك السعودي بمئة مليون دولار. وخلفه ابنه فيليب السادس، الذي أعلن فور وراثة والده في الملك أنه لن يرثه مالياً. وأعطى مع عائلته صورة مثالية عن الملك، بعد والده الذي اختار إثر ذلك أن يعيش في أبو ظبي.
والأمثلة عديدة على المحاسبة في دول الغرب. حتى في أميركا ترامب الذي يحاول اختصار كل الصلاحيات، لا تزال المحكمة العليا تراقبه، ووسائل الإعلام تحاسبه، والآراء الشخصية تواجهه مثل الممثل السينمائي المشهور ريشارد غير الذي أدلى بتصريحٍ يطاله بقساوة منذ أيام على وسائل التواصل، لا يُقال إلا في بلاد الحرية.
هذا المشهد المتضارب بين الشرق والغرب، كما كان الحال دائماً، لا يكتمل إلا بما حصل في إيران في مناسبة تشييع المرشد علي خامنئي التي يُستدل منها- وهو الغرض من ذلك التشييع الملاييني- أن النظام صمد وإيران انتصرت بالرغم من الدمار الهائل، و"حزب الله" بالتالي انتصر، بالرغم من آلاف الشهداء والقرى الممسوحة من الوجود.
نظام الحكم بالنسبة إلى أصحابه والممسكين به، أهمّ من الأرض. فالعراق، وهو من أغنى بلدان المنطقة، انتقل من النظام الملكي إلى الجمهوري عام ١٩٥٨، ولكن ماذا تغير؟ حصلت انقلابات متتالية، وحكم صدام حسين سنوات طويلة بالحديد والنار مدة ٢٤ عاماً منذ ١٩٧٩ وحتى ٢٠٠٣، مثله مثل معمر القذافي في ليبيا صاحبة الموارد الطبيعية الضخمة. ويا لهول المصادفات التاريخية، إذ إن صدام حسين أُعدم ومعمر القذافي قُتل على طريق هروبه.
ولكن قبل التساؤل عن المحاسبة، هل من نظام عربي فتح باب الحرية؟ إذ إن بعض هذه الأنظمة فتحت أبواب الاستثمارات مثل دول الخليج، وها هو إيمانويل ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق، لكنه يزورها على وقع أصوات الانفجارات، مع وفد استثماري كبير، ولا يزال الغربيون يراهنون على التغيير في سوريا. وهذا ما يتمناه اللبنانيون الذين عانوا كثيراً بسبب مصالح النظام السابق.
وبعيداً من الأنظمة ومصالحها نتساءل: الحرية أساس لبنان وضمانه. ولكن هل حمته؟ لقد شكلت أساساً لديمومته، بالرغم من الانقسامات التي طالته أخيراً، وبخاصة بعد جولات التفاوض المباشر مع إسرائيل. فهنالك انقسامات دائمة في لبنان، لم تصل يوماً حتى الارتباط بمرجعية خارجية كما هو حال اليوم بالنسبة إلى "حزب الله" وقسم من بيئته. ولكن إيران نفسها استغلت تلك الحرية اللبنانية من دون أن تقتدي بها، إذ ذكرت الأخبار أن آلاف القتلى سقطوا في التظاهرات أو في عقوبات الإعدام.
حمى الله لبنان، يبقى ذلك الضوء في الشرق وسط العتمة القاتمة. في صيف ١٩٦٠ أنشدت فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي قصيدة "سائليني يا شآم". وهي من نظم الراحل الكبير سعيد عقل. تحفة كانت تلك الأغنية، أو لعلها لوحة رائعة، من شعر سعيد عقل وتلحين العبقري عاصي الرحباني وأداء فيروز التي أنشدت في آخر بيتين لها:
أنا حسبي أنني من جبلٍ هو بين الله والأرض كلام
قمم كالشمس في قسمتها تلد النور وتعطيه الأنام