هل الصَّحابة رُكْن في الإسلام؟

أتذكَّر يوم حظرتُ رفْقة والدي، في ثمانينيَّات القرن الماضي، درسًا لفقيه بالجامع الكبير، وكانت لنا وقْتَها نِياتٌ رهيفةٌ.. نستمع لتفسير سورة الجنِّ، حينئذٍ استرسل وأكَّد على “ضرورة التسليم والإيمان، بما أسماه السلسلة”، تلك التي عِقْدُها التصديق بما أنزل الله مع سيدنا جبريل عليه السلام، لكي يُبلِّغنا إيَّاه خيرُ الأنام (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنَّ “مسألة الجنِّ” من بين ما جاء في هذا القرآن الحكيم.

كان منطقه مُتَّسقًا ومتناسقًا إلى حين من الأيام، حضرتُ فيها محاضرته بنفسي، في غير ذاك المسجد العتيق، فأمضى يهاجم الشاعر أبا القاسم الشَّابِّي، في بيته الشهير:

“إذا الشعبُ يومًا أراد الحياةَ *** فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ”

كان يتساءل وهو محمرُّ الوجنتين: كيف لقدر الخالق أن يستجيب لإرادة البشر؟

حينها لم أكن أبالي بمناقشة أفكار هؤلاء، الذين كنَّا نراهم فوق أبراج الوعظ.. على كل حال! وكنت أُتمتِم بيني وبين نفسي: هذا خيال فني للشاعر، والأهم في ذلك أنَّه كان يستنهض الهمم من أجل مواجهة الاستعمار، كذلك قال لي عقلي: ربَّما كان يقصد أن يستجيبَ الشعبُ قدَره بالكفاح..

ومضت السنون والأيام، فارتقى الفقيه وتدكتر، ثم وقف وقْفةَ عثْرةٍ لأولئك الذين لطالما عاتبوه، بما أسموه “تبذير تبرُّعات المحسنين في زخرفة المساجد”، كان يردُّ عليهم بقوله: “ليس من دورنا بناء المعامل.. نحن بنينا المساجد وأنتم للمعامل فابنوها”، وقف معارضًا لإعمال تقنيَّة الحمض النووي في خصومات إثبات النسب، بحجَّة أن ذلك “سيُسقط تطبيق آية اللعان(1) بين الزوجين في حال تنازعهما”.

لم يكن بذلك بُدٌّ إلا أن يسقط بدوره من ذاك البرج، ومن مخيَّلتي واعتباري على حدٍّ سواء..

مُذ حلَّ عام “الفيل” كما كان يحلو للبعض تسميته، متوقِّعًا لما سيعقُب سقوط الاتحاد السوفياتي، عرف الصراع العربي الإسرائيلي بين 2000 و2006 طفرة جديدة في لبنان، خصوصًا إبَّان سقوط جدار صدَّام العظيم في 2003، باتت فتاة “المقاومة” تتوكَّأ وتنمو.. كانت الزيارات للمراقد مَشْيًا حينها، وكانت ومآربُ أخرى.. كلُّها مرَّت من هناك، من طهران إلى بيروت.

ثم حلَّت إذَّاك موجة شرسة كأنَّها خيوط عنكبوت، كانت تُحاك من فوق تلك الأبراج، التي سلْسَلت عقولنا بسلاسلَ، كنَّا نسمِّيها عذرًا “محاضرات”!.. نُسجت من أجل شيْطنة ما يسمُّونه “حزب الله” في لبنان.

ربَّما كان ذلك مفهومًا، خصوصًا إذا ما تعلَّق الأمر بـ”حفظ النَّسق العام وصون عقيدة التسنُّن”، لكن الذي يُعاب على أصحاب تلك الحملة، هو ممارستهم للوصاية على الجمهور.. وصاية الفقيه(2)، ذلك الذي كان يدعو الشباب “للفصل بين الإنجازات العسكرية والعقيدة”..

ولكن هل للإنجازات العسكرية أن تكون دون عقيدة؟! وما موجِب هذا الفصل؟

مضيت أبحث في زمن “السماوات المفتوحة”، وقد تيسَّر فيها كل شيء؛ إلا التجرد والموضوعية، لا يُنال نصيب منه؛ بقليل من الجرأة والشجاعة الأدبية، فقرَّرت أن أشكَّ حينئذٍ في كل شيء، وأن أُفرغ عقلي من كل شيء، كي أبدأ من لا شيء.. أن أتساءل كيف ولماذا يمتعِضون من هذه العقيدة؟

ما موجِب حرق الصحابة للسُّنَّة النبوية الشريفة في “خير القرون” كما يقولون، ونحن ليس لنا قرون، كي نستوعب حُجَّتهم أو كما قالوا: “تجنُّبًا لاختلاطها بالقرآن الكريم”!؟ بينما هذا القرآن نفسُه يقول: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9). لماذا تطاحن هؤلاء الصحابة فيما بينهم، وعلامة الخُلَّص منهم “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (سورة الفتح: 29)؟ لِمَ نعيب على اليهود عبادتَهم لعجلٍ واحد من ذهب، بينما نحن قد ذهب عقلنا، نقدِّس العشرات والمئات من البشر، من لحم وعظم وكلُّهم “عُدول”!؟

نزلت آيات قرآنية كريمة في حق الصحابة تُشرِّفهم وتعظِّم قدرهم، لكن لم تعمِّم كلَّ مجتمع الصحابة، والدليل العقلي على ذلك أنَّهم اقتتلوا وأحرقوا بعضهم البعض كما في حال مالك بن نُوَيرة وكذلك محمد ابن أبي بكر.. بل وخالفوا النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم).

أي نعم “هم السلسلة التي وصلنا عبرها هذا الدين”! لكن من حقِّنا كمتأخِّرين أن نفكِّك هذه السلسلة التي عاد ذكرُها مرَّة أخرى، كما سلف الفقيه في الجامع القديم، أيَّام الثمانينيَّات، مُذْ سُلْسِلت عقولنا بالفقه الكلاسيكي العتيد..

لكن لماذا لا يذكر هؤلاء الآية 11 من سورة الجمعة: “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”؟ هؤلاء المُنفضُّون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا من مجتمع الصحابة، لم يكونوا من الروم ولا من الفرس “المجوس”، لذلك سننفضُّ من عيوننا غبار التقديس، كي نعيد النظر في تلك السلسلة، لا من منطلق المؤامرة والتشكيك، ولكن لتطمئنَّ قلوبنا فتنزاح غيمة الوهم.

قال تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا” (سورة البقرة: 285-286)، فالإيمان محصور في الله وملائكته ورسله، كما في قوله تعالى أيضًا: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (سورة البقرة: 136-137).

لم تكن هناك قاعدة عامَّة في مجتمع الصحابة، كان من بينهم مَن يُضمِر الكفر ويُبدي الإيمان، قال تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ” (سورة البقرة: 13-15)، فامتحنهم الله بذلك وأقام عليهم الحُجَّة، وقال: “وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (سورة البقرة: 143).

وعليه، فإن إسباغ هالة القداسة على جميع الصحابة، أمر يخالف القرآن الحكيم والسُّنَّة النبوية الشريفة والعقل، واعتبار جميع هؤلاء “عدولًا”، يشكِّل خطورة في المناهج التربوية والتعليمية، التي تجعل منهم قُدوة لأبنائنا وأجيالنا المتعاقبة(3).

إنَّ حديث “العشرة المبشَّرين بالجنة” مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، بقرينة عدم معرفة روَّاد هذا الحديث أنفسهم بوجوده، ولو كانوا يعلمون بتبشيرهم بالجنة، لَما كان بعضهم يخاف البعث ولقاء الله!

فالخليفة الأول أبو بكر وقت احتضاره قال: “… ودِدْت أنِّي لم أكن كشَفْتُ بيت فاطمة وتركته، وأن أُغلق على الحرب، وودِدْت أنِّي يوم سقيفة بني ساعدة، كنت قذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين: أبي عبيدة أو عمر، فكان أميرًا وكنت وزيرًا، وودِدْت أنِّي حيث وجَّهْتُ خالد بن الوليد إلى أهل الردَّة، أقمتُ بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا كنت بصدَد اللقاء أو مَدَدًا”(4)، كما خرَّج البيهقي رواية: “مرَّ أبو بكر على طير قد وقع على شجرة، فقال: طوبى لك يا طير، تطير فتقع على الشجر، ثم تأكل من الثمر، ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت مثلك، والله لودِدْت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق، فمرَّ عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكَني ثم ازدرَدني، ثم أخرجني بعرًا ولم أكن بشرًا، فقال عمر: يا ليتني كنت كبشَ أهلي، سمَّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنتُ كأسمن ما يكون، زارهم بعض من يحبُّون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواءً وبعضه قديدًا، ثم أكلوني ولم أكن بشرًا، وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تُعضَد وتُؤكل ثمرتي ولم أكن بشرًا”(5).

وفي “فضائل الصحابة” أيضًا روى البخاري الحديث رقم 3692، قال عمر بن الخطاب: “والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتدَيْتُ به من عذاب الله عزَّ وجلَّ، قبل أن أراه”(6). وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان: “ودِدْت أنِّي إذا مُتُّ لم أُبعَث”(7)، فعادة المؤمن لا يخاف بل يحبُّ ويشتاق للقاء الله تعالى، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) يقول في الحديث الصحيح عن عدَّة من الصحابة: “من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الموت؟ فكلُّنا يكره الموت، قال: لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا حضر أجله؛ بشَّرته الملائكة برحمة الله ورضوانه؛ فيحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه، والكافر متى حضر أجله؛ بُشِّر بغضب الله وعقابه، فيكره لقاء الله؛ فيكره الله لقاءَه، ذلك مِصداق قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ” (سورة يونس: 7).

وبالتالي، فإنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكن بِدْعًا من الرسل، جرى عليه ما جرى عليهم، ولذلك نجد في صحيح البخاري، الحديث رقم 7198، قال (صلى الله عليه وآله وسلَّم): “ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصَم الله”.

يُتبع…

الهوامش:

(1) اللعان لغةً مصدر لاعن، واللعنةُ هي الطرد والإبعاد، أما شرعًا فهو كلمات معلومة جُعلت حُجَّة للمضطر إلى قذف من لُطِخ فراشُه أو إلى نفي ولد، وبعدها كلا المتلاعنين يُبعَد عن الآخر بها فيحرُم بذلك النكاح بينهما.

يتمُّ اللعان بأن يقول الزوج أربع مرات: “أشهد بالله أنِّي لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا”، ويختمها بالخامسة فيقول: “عليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا”، أما المرأة فتقول أربعًا: “أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا”، والخامسة تقول: “أنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا”.

(2) انظر مقالنا “ولاية ووصاية الفقيه”، جريدة هسبريس، 23 يوليوز 2015.

(3) انظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية”، جريدة هسبريس، 20 مارس 2025.

(4) رواه عبد الرحمن بن عوف، وحدَّث به العقيلي في “الضعفاء الكبير”، تحت رقم 3/419، وهو حديث مضطرب أخرجه القاسم بن سلام في “الأموال” تحت رقم (353)، وابن زنجويه في “الأموال” تحت رقم (467)، والطبراني تحت رقم (1/62).

(5) البيهقي، “شعب الإيمان”، باب الخوف من الله تعالى، الجزء 2، الصفحة 227.

(6) صحيح البخاري عن الصلت بن محمد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال: لَمَّا طُعِن عمر جعل يتألَّم، فقال له ابن عباس، وكأنه يجزِّعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله جلَّ ذكره مَنَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله عزَّ وجلَّ قبل أن أراه.

(7) مرتضى الزُّبيدي “إتحاف السادة المتقين لشرح علوم الدين”، دار الكتب العلمية.

The post هل الصَّحابة رُكْن في الإسلام؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress