هل ارتفع الذهب بسبب بيانات التضخم الأميركية الصادرة أمس... أم لأن الأسواق تسعّر بنسبة 72.2% تثبيت الفائدة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

رغم صدور بيانات تضخم أميركية لم تكن كافية لحسم مسار أسعار الفائدة، ارتفعت أسعار الذهب بالتزامن مع تراجع الدولار وعوائد السندات. فهل كانت البيانات هي المحرك الحقيقي؟ أم أن الأسواق كانت قد سعّرت الخبر مسبقاً؟ ولماذا ما زال هناك تناقض واضح بين البيانات الاقتصادية وحركة الأسواق؟

الأسواق لا تتحرك بسبب الخبر فقط... بل بسبب توقعاتها للخبر
شهد الذهب ارتفاعاً ملحوظاً عقب صدور بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، بينما تراجع الدولار الأميركي وانخفضت عوائد سندات الخزانة، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى القول إن التضخم هو السبب المباشر وراء صعود الذهب.

لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً من ذلك.

فالأسواق المالية لا تتفاعل مع الأرقام المجردة، وإنما مع ما تعنيه هذه الأرقام بالنسبة لقرارات السياسة النقدية المقبلة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل التضخم ارتفع أم انخفض؟ بل: هل تغيرت توقعات المستثمرين بشأن الفائدة؟

البيانات لم تكن مطمئنة بالكامل
على الرغم من أن القراءة العامة لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي جاءت متوافقة مع التوقعات، فإن الصورة ليست بهذه البساطة.

فالمؤشر الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، ارتفع سنوياً إلى 3.4%، وهي أعلى قراءة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، كما سجل زيادة شهرية بلغت 0.3%.

وهذا يعني أن الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد، بل لا تزال موجودة، خصوصاً في قطاع الخدمات، وهو ما أكده رئيس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي، الذي وصف تضخم الخدمات بأنه لا يزال مصدر القلق الأكبر أمام البنك المركزي.

بمعنى آخر، البيانات لا تمنح الفيدرالي الضوء الأخضر لخفض الفائدة، لكنها أيضاً لا تجبره على العودة إلى رفعها.


أوراق مالية من فئة المئة دولار (أ ف ب)


 

فلماذا تراجع الدولار والعوائد إذاً؟ هنا يبدأ التناقض.
فعندما يعتقد المستثمرون أن الفيدرالي لن يرفع أسعار الفائدة، حتى وإن بقي التضخم أعلى من الهدف، تبدأ عوائد السندات بالتراجع نتيجة انخفاض توقعات التشديد النقدي.

 

ومع انخفاض العوائد، تتراجع جاذبية الدولار، لأن المستثمرين يحصلون على عائد أقل مقابل الاحتفاظ بالأصول المقومة به. وبما أن الذهب لا يدر عائداً، فإنه يصبح أكثر جاذبية عندما تنخفض عوائد السندات ويتراجع الدولار، وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من الحركة الأخيرة.

إذن، ما دعم الذهب لم يكن التضخم بحد ذاته، وإنما ردة فعل الأسواق تجاه مستقبل السياسة النقدية.

لكن هل فعلاً اقتنعت الأسواق بأن الفائدة ستبقى ثابتة؟
الإجابة تبدو نعم... على الأقل حتى الآن.
تشير بيانات FedWatch إلى أن الأسواق تسعّر احتمالاً يقارب 72% للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع تموز/يوليو، مقابل نحو 28% فقط لاحتمال رفعها.

وهذا يعكس أن المستثمرين أصبحوا يميلون إلى سيناريو تثبيت الفائدة أكثر من أي سيناريو آخر، رغم أن التضخم الأساسي ما زال بعيداً عن مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وهنا تظهر المفارقة.

فالبيانات لا تزال مرتفعة نسبياً، وتصريحات بعض مسؤولي الفيدرالي لا تستبعد استمرار الضغوط التضخمية، بينما الأسواق تتصرف وكأن دورة التشديد النقدي قد انتهت بالفعل.

هل وصل الذهب إلى مرحلة التشبع؟
يرى بعض المحللين أن الذهب دخل بالفعل في مرحلة شراء مفرط، وأن الارتفاع الأخير قد يكون مبالغاً فيه لكن من وجهة نظري، فإن ما حدث قبل صدور البيانات كان أقرب إلى تصحيح سعري طبيعي أكثر منه بداية اتجاه هابط. فالأسواق غالباً ما تعيد تموضعها قبل الأحداث الاقتصادية الكبرى، فيقوم المستثمرون بجني الأرباح وتقليص المخاطر، ثم يعيدون بناء مراكزهم بعد صدور البيانات عندما تصبح الصورة أوضح. بمعنى آخر، لم يكن التصحيح دليلاً على ضعف الذهب، بل كان انعكاساً لحالة الترقب التي سبقت الإعلان.

العامل النفسي هو اللاعب الأكبر
في كثير من الأحيان، لا تتحرك الأسواق وفق البيانات الاقتصادية وحدها، بل وفق توقعات المتداولين ومشاعرهم. فعندما يسيطر الاعتقاد بأن الفيدرالي لن يرفع أسعار الفائدة، يبدأ المستثمرون بشراء الذهب حتى قبل أن يؤكد البنك المركزي ذلك رسمياً.
ولهذا السبب كثيراً ما نشاهد السوق يتحرك قبل القرار، بينما يكون رد الفعل بعد القرار محدوداً أو حتى معاكساً لما يتوقعه الجميع. فالأسواق لا تنتظر الحدث... بل تحاول استباقه.
من وجهة نظري، لا أعتقد أن ارتفاع الذهب كان نتيجة بيانات التضخم وحدها، ولا أرى أن تراجع الدولار والعوائد كان العامل الوحيد أيضاً.

ما حدث هو مزيج من التوقعات النفسية، وإعادة تسعير احتمالات الفائدة، وتمركز المستثمرين قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.

ولا يزال هناك تناقض واضح في المشهد؛ فالتضخم الأساسي لا يزال مرتفعاً، ومسؤولو الفيدرالي يؤكدون أن معركة الأسعار لم تنتهِ بعد، بينما الأسواق تواصل تسعير سيناريو تثبيت الفائدة باعتباره الأكثر احتمالًا.

لذلك أرى أن الفرصة الحقيقية للذهب ليست في البيانات التي صدرت، بل في تأكيد الاحتياطي الفيدرالي لهذا السيناريو خلال اجتماعه المقبل. فإذا جاء قرار التثبيت متوافقاً مع ما تسعره الأسواق حالياً، فقد يكون ذلك داعماً لاستمرار الاتجاه الصاعد.

أما إذا فاجأ الفيدرالي الأسواق بنبرة أكثر تشدداً، فقد نشهد إعادة تسعير سريعة تضغط على الذهب والدولار معاً.

فالأسواق اليوم لا تتحرك على أساس ما حدث بالأمس، بل على أساس ما تعتقد أنه سيحدث غداً، وهنا يكمن التناقض الحقيقي الذي يفسر جزءاً كبيراً من حركة الذهب الحالية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية