هل أصبحت إيران خط الدفاع الجنوبي لروسيا؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في إطار التنافس الجيوسياسي المحتدم بين واشنطن وحلفائها من جهة، ومحور موسكو-بكين من جهة أخرى، تطرح طبيعة التعاون العسكري والاستخباراتي بين روسيا وإيران أسئلة جوهرية بشأن الحدود الفعلية لهذا التحالف، وما إذا كانت طهران قد تحولت بالفعل إلى "خط دفاع جنوبي" لموسكو في مواجهة نفوذ واشنطن، لا سيما بعد تحذير الرئيس دونالد ترامب من "عواقب وخيمة" على روسيا والصين إذا شاركتا في دعم إيران عسكرياً. وقد اكتسب هذا النقاش زخماً جديداً بعد الاستهداف الأوكراني لسفينة إيرانية في بحر قزوين، إذ أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنها كانت تُستخدم لنقل شحنات عسكرية مرتبطة بالتعاون بين موسكو وطهران.

 

 

وتشير تقارير استخباراتية اطلعت عليها وكالة "رويترز" إلى أن روسيا زودت إيران ببيانات أقمار صناعية ودعم سيبراني وتقنيات حسّنت دقة الاستهداف، في إطار تعاون يهدف إلى رفع كلفة الوجود الأميركي واختبار كفاءة التقنيات الروسية أمام المنظومات الدفاعية الغربية، مع توجيه رسائل ردع إلى واشنطن.

 

غير أن هذه الإستراتيجية الروسية تصطدم بتحديات ومخاطر حاسمة، في مقدمتها خشية الانزلاق إلى مواجهة مباشرة غير محسوبة مع واشنطن، فضلاً عن تعقيد علاقات موسكو مع القوى الإقليمية الأخرى، وعدم قدرة الكرملين على ضبط وتحديد سقف الردود الميدانية الإيرانية بدقة.

 

تعاون محسوب


يرى مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات الدكتور آصف ملحم أن النفي الرسمي المتبادل بين موسكو وطهران بشأن تبادل المعلومات والتكنولوجيا العسكرية يدخل في إطار الحرب الإعلامية التقليدية.

 

ويؤكد ملحم أن الدلائل الميدانية تُرجّح وجود دعم استخباراتي وتكنولوجي روسي (أو صيني) لإيران، استناداً إلى المعطيات الآتية:

 

الفجوة الاستخباراتية، إذ تفتقر إيران إلى الأقمار الصناعية المتطورة اللازمة لتحديد أهداف دقيقة وسرية للغاية، مثل أماكن وجود عناصر الاستخبارات الأميركية، إذ لا تكفي المسيرات وحدها للقيام بهذه المهمة دون إسناد فضائي.

 

تطوير التكنولوجيا المتبادل، فرغم أن إيران زودت  روسيا بالمسيرات في مراحل الحرب الأوكرانية الأولى، فإن موسكو طوّرت هذه التقنيات جوهرياً عبر إدخال لوحات إلكترونية متقدمة (مثل نظام Kometa-M للوقاية من التشويش)، ومن المرجّح أن هذه التحديثات نُقلت إلى طهران.

 

نقل الخبرات واللامركزية. فمن المستبعد وجود "غرفة عمليات ميدانية مشتركة" تُدار منها الضربات مباشرة، لتجنب صدام مباشر مع واشنطن، إلا أن التعاون قائم من خلال وجود خبراء روس ونقل تكتيكات مواجهة الدفاعات الجوية، ما دفع إيران للتحول نحو "اللامركزية الميدانية" في إدارة عملياتها.

 

ويُشدد ملحم على أن روسيا تستثمر الحرب الإيرانية لتشتيت الجهود الأميركية وحماية ممر "شمال-جنوب" الاستراتيجي (من سان بطرسبرغ إلى ميناء بندر عباس فالهند)، إلا أن هذا التعاون محكوم بسقف مشروط، فموسكو حريصة على عدم استفزاز واشنطن للحد الذي يفجر مواجهة مباشرة، كما تلتزم بالحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية المتوازنة مع دول الخليج العربي، وتتجنب تبني الخطاب الإيراني الداعي لإزالة إسرائيل.

 

 

شراكة تحت سقف التوازنات

 

من موسكو، يتفق المختص بالشأن الروسي الدكتور هاني شادي مع النظرة الداعية إلى الحذر، مشيراً إلى أن الإصرار الروسي على نفي تقديم المساعدات المباشرة لطهران ينبع من رغبة موسكو في الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع إدارة  ترامب للوصول إلى تسوية في الملف الأوكراني.

 

وتنظر موسكو إلى فتح جبهة إيرانية كفرصة لاستنزاف القوى الغربية والدفع نحو تنازلات في أوكرانيا، لكن هذه السياسة ينطوي عليها خطر خسارة الرهان على التفاهمات مع واشنطن.

 

ويستبعد شادي وجود غرفة عمليات مشتركة، فالأمر لا يتعدى التشاور وتقاطع المصالح "الحذر"، ولا سيما أن موسكو ترفض التضحية بشراكتها النامية مع دول الخليج العربي، مؤكداً أن التعاون الروسي-الإيراني لن يغير الثوابت الاستراتيجية للولايات المتحدة، والتي تبدو ماضية في نهج الضغط العسكري والاستراتيجي على إيران لإرغامها على الاستجابة للشروط الأميركية.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب. (أ ف ب)


قواعد "النظام الثلاثي"

من جهته، يقدم الباحث السياسي الدكتور خالد زين الدين قراءة أوسع نطاقاً ضمن موازين القوى الدولية، موضحاً أن المساعدات الروسية لإيران لا تخرج عن كونها "أوراق ألعاب ومناكفات تكتيكية" تستخدمها القوى الكبرى لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى (غزة، وسوريا، وليبيا، والملفات الاقتصادية وأسواق السلاح في أفريقيا).

 

ويؤكد زين الدين، لـ"النهار"، أن الدعم الروسي لإيران "لن يصل إلى مرحلة الدعم المطلق أو التحالف الدائم الذي يهدد مصالح موسكو مع دول الخليج أو إسرائيل"، فالدول الكبرى (أميركا، روسيا، والصين) تخوض تنافساً محكوماً بحدود لا تتجاوز الخطوط الحمراء.

 

وتشير هذه المقاربة إلى أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل نظام "ثلاثي القطبية"، تُدار فيه الأزمات بصفتها أوراق تفاوض. وبالتالي، فإن استخدام طهران كخط دفاع أو جبهة مناكفة هو جزء من تقاسم المصالح والنفوذ، وليس التزاماً عقائدياً أو دفاعياً مطلقاً من جانب روسيا تجاه إيران. 

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية