هكذا يتحوّل “الأنا” إلى صنم!

كثيرا ما نسمع في واقعنا الطبيّ عن تضخم عضلة القلب، وتضخم اللوزتين، وتضخم البروستاتا… لكنّنا قليلا ما نسمع عن تضخّم “الأنا”في النّفوس.. نقرأ في كتاب الله أنّ إبليس اللعين حينما أمره الله أن يصطفّ مع الملائكة بالسّجود لآدم عليه السّلام، قال: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)). لكنّنا لا نفهم من ذلك أنّ الـ”أنا” هذه التي أهلكت إبليس وأخرجته من رحمة الله، هي التي تهلك كثيرا من بني آدم وتطرحهم في النّار.
في زمان المظاهر الذي ابتلينا به وابتلي بنا، يعيش الواحد منّا حياته كلّها وهو يردد “أنا.. أنا” في كلّ وقت وكلّ لحظة وفي كلّ مجلس؛ يريد أن يثبت للنّاس من حوله أنّه بطل المواقف والمهمّات وأنّه على حقّ دائما.. إذا حدّث زوجته لا تسمعه إلا وهو يقول لها: “أنا، أنا”. وإذا كلّم أبناءه لم يكادوا يسمعون منه إلا “أنا، أنا”؛ يمنّ عليهم بأبوته ويحصي لهم أتعابه لأجلهم وأفضاله عليهم وكلّ ما حققه لهم. وإذا تحدّث إلى القريبين منه، عدّد لهم خصاله الجليلة ومواقفه الفريدة وأفضاله التي غمرتهم! كلّ شيء فيه جميل! ومواقفه كلّها صواب! وهو دائما المحقّ وصاحب الحقّ وكلامه كلّه حقّ في كلّ قضية وكلّ خلاف.. حتى وإن كان معترفا في داخلة نفسه بأنّه مخطئ، إلا أنّه لا يعترف أبدا بخطئه، حتى لا يخدش “الأنا” المتضخّم في نفسه! الموت أهون عليه من أن يقول: “كنت مخطئا” أو “كنت متسرّعا” أو “كنت مذنبا” أو “كنت جاهلا”… لا يرضى أن يقال عنه “أخطأ” ولا يحبّ أن يؤخَّر أو يقال له “انتظر”. يعادي ويخاصم لأجل نفسٍ أمّارة في داخله تضخّمت حتى أعمت بصره وبصيرته! يعيش حياته مخلصا لـ “الأنا”، مجاهدا لأجل قيمته ومكانته بين النّاس. لا همّ يشغل باله إلا “كيف ينظر الناس إليّ؟ وماذا يقولون عنّي؟”! تحوّل “الأنا” في حياته إلى صنم يعبده مع الله؛ يعميه عن رؤية نقائصه وعيوبه وأخطائه، ويسوّل له أن ينظر إلى النّاس من حوله على أنّهم كلّهم أقزام جاهلون مخطئون، وأنّه هو وحده بينهم العملاق الذي لا يخطئ!
بسبب هذه الحال التي لم يسلم منها إلا القليل، أصبحت “الأنا” هي الصبغة الأبرز لمجالسنا؛ فما أن يتكلّم أحدنا ليدلي برأيه، حتى يقاطعه آخرُ ليثبت أنّه أعلم وأعرف وأكثر اطّلاعا، كلٌّ يحاول أن يثبت أنّه سيّد المجلس من دون منازع.. خاصّة في أوساط النّساء؛ ما أن يجمعهنّ مجلس، حتى يختلط الحديث ولا تكاد تسمع جملة مفيدة، كلّ واحدة منهنّ تقاطع الأخريات لتتحدّث عن نفسها وتروي مغامراتها في الحياة!
هكذا هو “العبد” عندما يتضخّم “الأنا” في نفسه؛ تصبح نفسه صنما يعبده مع الله، وتتحوّل حياته إلى قاع صفصف، ((فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا))؛ يطيع نفسه في كلّ أمر ويلبّي لها كلّ رغبة، فيتحوّل إلى عبد أنانيّ مغرور لا همّ له إلا إثبات نفسه وإشباع شهواته.. والعبد ما دام يرى نفسه معصومة كاملة لا تخطئ ولا تظلم ويرى الناس من حوله شياطين مرجومين، فإنّه لن يرى عيوب نفسه ولن يعترف بأخطائه، وسيظلّ مصرا على أخطائه غير منتبه لنقائصه، ويعيش حياته كلّها منشغلا بعيوب وأخطاء ونقائص النّاس من حوله! وهنا الهلاك؛ هلاك الدّنيا وخسارة الآخرة، فالله –تعالى- قضى بألا يجعل في الآخرة نصيبا لمن يعبد نفسه ويتّبع هواها ويصاحبها ويطيع أمرها: قال –تعالى-: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين))، وقال –سبحانه-: ((فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)).
العبد المسلم يُفترض أن يكون الله -جلّ جلاله- محور حياته؛ يدوس على “الأنا” ويهضم نفسه لأجل أن يعظّم الله ويعظّم دينه.. لا يهمّه كيف ينظر النّاس إليه ولا ماذا يقولون عنه، المهمّ عنده ماذا يقول الله عنه لملائكته في الملأ الأعلى؟ وماذا يقول عنه الملائكة المقرّبون؟ لا يضرّه أن يكون مغمورا يزدريه النّاس ويقلّلون من شأنه ويبدو بينهم لا قيمة له ولا وزن. المهمّ عنده أن يكون مشهورا في السّماء ويكون وزنه عند الله عظيما وميزان حسناته ثقيلا.. وكم من عبد في هذه الدّنيا يعظّم نفسه ويمشي بين النّاس كالطّاووس، وميزان حسناته أخفّ من الريشة، وهو عند الله في الملأ الأعلى لا يزن جناح بعوضة! وفي المقابل؛ كم من عبد يمشي بين الناس لا وزن له، لا يلتفت إليه ولا يتحدّث عنه أحد، لكنّ ميزان حسناته كالجبال، وهو عند الله في الملأ الأعلى بمقام عظيم، يذكره الله باسمه وتتحدّث الملائكة عنه وعن حسن عمله.
وقد سجّلت كتب السير نماذج من نورٍ لعباد عرفوا هذه الحقيقة، فداسوا بأقدامهم على “الأنا” وعرّفوا أنفسهم قدرها وألزموها حدّها؛ هذا مثلا أبو بكر الصديق –رضـي الله عنه-، وهو خليفة المسلمين رأى يوما طيرا يقع على شجرة، فقال: “طوبى لك يا طير؛ تقع على الشجر وتأكل الثمر، ثم تطير وليس عليك حساب ولا عذاب، ياليتني كنت مثلك؛ والله لوددت أن الله خلقني شجرة إلى جانب الطريق، فمر بي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني، ثم ازدردني، ثم أخرجني بعرا ولم أك بشرا”.
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب –رضـي الله عنه- يقول: “يا ليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض ما يحبون، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني، فأخرجوني عذرة ولم أك بشرا”، وجمع النّاس يوما، فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: “أيّها النّاس لقد رأيتُني وما لي من أَكَال يَأكُلُه النّاس، إلّا أنّ لي خالاتٍ من بنى مخزوم، فكنتُ أستعذِبُ لهنّ الماءَ فَيُقَبِّضْنَ لي القبضات من الزبيب”، ثمّ نزل عن المنبر، فقيل له: ما أردتَ إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: “إني وجدتُ في نفسى شيئًا، فأردتُ أن أطأطئَ منها”.. وهذا أمير ومولى المؤمنين علي بن أبي طالب –رضـي الله عنه-، كان يلبس إزارا مرقعا، فقيل له مرّة: تلبَسُ المرقوعَ؟! فقال: “إنّ لباسي هذا أبعد من الكبر، يَقتدي به المُؤمِنُ، ويخشَعُ به القَلب”.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post هكذا يتحوّل “الأنا” إلى صنم! appeared first on الشروق أونلاين.