هكذا تستفرد إسرائيل بالفلسطينيين
فيما ينشغل العالم بالحرب الاميركية- الإيرانية وتطوراتها ويعيش على أعصابه منتظراً قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتذبذبة، وفيما تراجعت الحرب الروسية- الأوكرانية إلى المرتبة الثانية في اهتمامات العالم، تتراجع الحرب المستمرة على غزة والضفة الغربية إلى مرتبة متأخرة في جدول اهتمامات الاعلام العالمي رغم خطورة ما تقوم به إسرائيل من اعتداءاتٍ يومية تستهدف تغيير الخريطة الفلسطينية جغرافياً وديموغرافياً.
تحت جنح التجاهل، أو حتى التواطؤ، تواصل حكومة المتطرفين في إسرائيل الحرب على الفلسطينيين في الضفة وغزة، حرب بضرباتٍ موضعية متكررة لا تثير غضباً دولياً وتمر كحوادث متفرقة فيما هي في الواقع استكمال للحرب على غزة، وعلى مجمل القضية الفلسطينية التي تسعى حكومة بنيامين تنياهو إلى تقويض كل مرتكزاتها المحلية والدولية، والتي برز أخطرها في التنصل من اتفاق أوسلو الذي ولد هشاً ولم يقبل به اليمين المتطرف يوماً.
أهداف اسرائيل
تضرب إسرائيل يومياً في غزة، تقول أنها تستهدف قادة في "حماس" لكن الوقائع والأرقام تدحض هذه السردية- فالعمليات العسكرية اليومية ضد القطاع تستهدف مواطنين مدنيين ومنازل ومنشآت ليتعدى عدد الغزاويين الذين قتلوا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 الـ1100 منهم 40 في أسبوع واحد خلال تموز/ الجاري إضافة إلى أكثر من 3600 جريح معظمهم من النساء والأطفال.
الحرب دائرة في غزة من طرف واحد يقصف ويقتل ويدمر ما تبقى من عمران وحتى من خيم للنازحين، فيما فقدت "حماس" القدرة العسكرية على الرد أو تشكيل خطر فعلي على الجنود الإسرائيليين وعلى المستوطنات في غلاف غزة. نحو مليوني فلسطيني مكشوفون للطائرات الحربية والمسيرة ومدفعية الدبابات والميدان لا حول لهم ولا قوة الا الصبر وانتظار وصول المساعدات المقننة بالقطارة للبقاء على قيد الحياة.
لكن ليس هذا هو البعد الحقيقي للعمليات الإجرامية المتواصلة تحت نظر العالم، فإسرائيل تعتمد سياسة القضم المتدرج لأراضي غزة ولما سمي اتفاق سلام، وتقوم بتوسيع نطاق سيطرتها العسكرية على القطاع متجاوزة الخط الأصفر الذي قضمت بموجبه خمس المساحة الضيقة للقطاع المزدحم بسكانه المليونين. وإذ تزعم إسرائيل أنها تعمل على منع "حماس" من إعادة بناء قدراتها العسكرية، يبدو واضحاً أنها تريد ، كما تنصلت من اتفاق أوسلو، التنصل أيضاً من اتفاق غزة لتفرض أمراً واقعاً جديداً يتيح لها السيطرة على مزيدٍ من الأرض، وربما العودة إلى الاستيطان في غزة وفرض ترتيبات أمنية ونظام سياسي جديد في سياق المخطط الأميركي المعلن عن تحويل القطاع إلى استثمار اقتصادي وسياحي شرطاً لإعادة إعمار القطاع المدمر تدميراً شبه كامل.
لا تريد إسرائيل عودة "حماس" إلى حكم غزة، وكذلك السلطة الفلسطينية بعدما أمعنت في تهميشها وتقويض صلاحيتها وسلطتها في غزة أولاً وفي الضفة الغربية حالياً، فيما يبدو رئيس هذه السلطة التسعيني محمود عباس بلا حول ولا قدرة منصرفاً إلى ترتيب خلافته على رأس سلطة تتراجع هيبتها يوماً بعد يوم.

الضفة الغربية أيضاً
لا تريد إسرائيل غزة فقط، تريد إلغاء القضية الفلسطينية بشكل كلي، لا دولة بعد اليوم، انطفأ الحديث عنها، لا نتنياهو يقبل بها ولا أميركا متحمسة لها ولا العالم سيقاتل من أجلها. تريد إسرائيل استعادة ما تخلت عنه بموجب اتفاق أوسلو بالعودة إلى غزة وبإلغاء بعض الاستقلالية التي أعطاها الاتفاق للضفة الغربية. ما يجري في الضفة يشبه ما جرى ويجري في غزة وإن لم يرق بعد إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنه ليس أمراً مستبعداً، فالضغط الإسرائيلي على الضفة سيؤدي إما إلى انفجار عسكري تستدرج إسرائيل الفلسطينيين إليه كما يرجح أن تكون استدرجت "حماس" إليه في غزة، وإما إلى احتلال جديد عبر توسيع المستعمرات القائمة وإقامة مستوطنات جديدة تقلب الوضع الديموغرافي لمصلحة اليهود على المدى المتوسط.
عشرات الفلسطينيين قتلوا في الهجوم الإسرائيلي الأخير في نابلس وعشرات الاعتقالات فضلاً عن الهجمات المنظمة بحماية الجيش للمستوطنين المتطرفين بقيادة الوزيرين ايتمار بن غفير وبتسالئيل سموتريتش.
يستنكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجرائم الإسرائيلية، وكذلك تفعل دول أخرى، لكن كل ذلك لا يرقى إلى درجة التأثير في القرار الإسرائيلي المتفلت من أي سلطة ردع منذ قام الكيان حتى الآن.