هكذا تبني أبو ظبي مدينة تستبق نموها!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يخرج شخص من منزله صباحاً، فيوصل أبناءه إلى مدرسة قريبة، ثم يسلك طريقاً لا تعاني الاختناقات المرورية كل يوم. وإذا احتاج إلى مستشفى أو حديقة أو خدمة عامة، وجدها في الحي أو على مسافة معقولة منه. تبدو هذه التفاصيل عادية، لكنها في الحقيقة الوجه اليومي للبنية التحتية. لا يعيش الناس الخطط والميزانيات، بل يعيشون النتائج التي تتركها في الشارع والمنزل والمدرسة.

من هنا يمكن قراءة المحفظة الرأسمالية التي يديرها مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية. تتجاوز قيمتها 200 مليار درهم (54.46 مليار دولار)، وتضم أكثر من 600 مشروع في الإسكان والنقل والصحة والتعليم والسياحة والحدائق والمرافق المجتمعية وغيرها من المشاريع الحكومية.

 

 

   مشاريع ريادية مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية (مركز أبو ظبي للمشاريع والبنية التحتية)

 

 

 

محفظة ضخمة

 

لا يعني الرقم أن أبوظبي قررت إنفاق 200 مليار درهم دفعة واحدة، أو أن 600 ورشة بدأت العمل في يوم واحد. هو تعبير عن القيمة التقديرية لمحفظة ضخمة، تضم مشاريع لا تزال قيد التخطيط، وأخرى طُرِحت أو بدأ تنفيذها، فضلاً عن مشاريع تقترب من التسليم. لكن ضخامة الرقم تكشف حجم الرهان: بناء مدينة لا تنتظر أن يسبق نموها الطلب إلى الخدمات.

بلغ عدد سكان إمارة أبوظبي 4.14 مليون نسمة في عام 2024، بزيادة سنوية قدرها 7.5 في المئة، فيما نمت قوة العمل بنسبة 9.1 في المئة. وخلال العام نفسه، ازداد عدد الوحدات السكنية والتجارية بنسبة 3.9 في المئة، وارتفع عدد المباني بنسبة 6.2 في المئة.

وراء هذه النسب عائلات جديدة تبحث عن مساكن، وأطفال يحتاجون إلى مدارس، وموظفون يتحركون يومياً بين أحيائهم وأماكن عملهم. كلما اتسعت المدينة، ازداد الضغط على الطرق والمستشفيات وشبكات المياه والصرف والمساحات العامة.

لذلك يحتل الإسكان مكانة بارزة في خطط أبوظبي. في عام 2024، وافق المجلس التنفيذي للإمارة على إطلاق 144 مشروعاً بقيمة تقارب 66 مليار درهم، خُصِّص أكثر من 59 ملياراً منها للإسكان والمرافق العامة، ونحو أربعة مليارات للتعليم ورأس المال البشري، وأكثر من 1.1 مليار درهم للسياحة.

لا تتعلق المسألة بعدد البيوت وحده. قد يحل البيت الذي يُبنَى بعيداً من المدرسة والعمل والحديقة مشكلة ويخلق أخرى. لهذا تستند المقاربة المعلنة إلى تطوير مجتمعات متكاملة، تتوافر فيها الطرق والخدمات والمرافق منذ البداية، بدلاً من إلحاقها بالأحياء بعد أن تمتلئ بالسكان.

 

في مسألة البنية التحتية

 

يُنظَر عادة إلى البنية التحتية بوصفها تكلفة تتحملها الحكومة، لكن آثارها تمتد في اتجاهات كثيرة. لا تخفف الطريق الجديدة الازدحام فحسب، بل تسهّل أيضاً انتقال العاملين والبضائع، وترفع جاذبية المناطق التي تصل إليها. ولا تقدّم المدرسة أو المنشأة الصحية خدمة فقط، بل تساعد الشركات أيضاً في جذب موظفين يريدون الاستقرار مع عائلاتهم.

نما قطاع البناء في أبو ظبي 13.9 في المئة في الفصل الثالث من عام 2025، وبلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي 9.4 في المئة. وفي الفترة نفسها، نما النقل والتخزين 13.8 في المئة، والعقار 13.1 في المئة.

هذه الصلات مهمة في اقتصاد يسعى إلى توسيع قاعدته خارج النفط. لقد مثلت الأنشطة غير النفطية 54 في المئة من الناتج المحلي لأبوظبي في الفصل الثالث من عام 2025. ولا يستطيع هذا الاقتصاد أن ينمو باستقطاب الشركات ورؤوس الأموال وحدها؛ هو يحتاج أيضاً إلى مساكن وطرق ومدارس ومستشفيات تجعل العمل والإقامة ممكنين ومريحين.

 

شراكة بين العام والخاص

في أيار (مايو) 2026، أطلق مكتب أبوظبي للاستثمار ومركز أبو ظبي للمشاريع والبنية التحتية محفظة للشراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 55 مليار درهم، تضم 24 مشروعاً مقرراً طرحها خلال عامي 2026 و2027.

تذهب الحصة الأكبر إلى 11 مشروعاً للطرق بقيمة 35 مليار درهم، تشمل أكثر من 300 كيلومتر من الطرق الجديدة والمطوّرة، إضافة إلى الأنفاق والتقاطعات وتحسينات شبكية. وثمة خمسة مشاريع بقيمة 11 مليار درهم في مجالات السدود وتخزين المياه والحماية من الفيضانات وتحديث تصريف مياه الأمطار.

أما المشاريع الاجتماعية الثمانية، وقيمتها تسعة مليارات درهم، فتشمل مرافق رياضية ومنشآت صحية متخصصة ومدارس ومقار جامعية. وهي تذكير بأن مقاربة أبو ظبي لمشاريع البنية التحتية لا تقتصر على البناء نفسه، بل تمتد لتشمل ما يجعل المدن صالحة لحياة بشرية تواكب العصر.

تتيح الشراكة بين القطاعين العام والخاص للحكومة الاستفادة من تمويل الشركات وخبراتها، وتوزيع بعض مخاطر البناء والتشغيل، وتنشيط المورّدين المحليين. لكنها لا تعني أن المسؤولية العامة تنتهي عند توقيع العقود. تبقى جودة الخدمة وتكلفتها وقدرة الجهة المشغلة على الحفاظ عليها لسنوات. وهذه أمور مفروغ منها في أبو ظبي خصوصاً ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية