هرمز والخيال النووي الأميركي فكرة لها جذور تاريخية
شفيق طاهر
في ذروة التوترات التي تحيط بمضيق هرمز، يعود إلى الواجهة سؤال كان يبدو، حتى وقت قريب، أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى النقاش الاستراتيجي الجدي: هل يمكن للولايات المتحدة أن تفكر في تجاوز هذا الشريان البحري الحساس عبر حل هندسي- عسكري متطرف، يصل إلى حد استخدام تفجير نووي لشقّ ممرات بديلة؟
قد يبدو الطرح صادماً، لكنه ليس بلا جذور تاريخية. ففي ستينيات القرن الماضي، درست واشنطن بالفعل استخدام ما سمّته حينها التفجيرات النووية السلمية لحفر قنوات وممرات ضخمة في أميركا اللاتينية، ضمن رؤية هندسية عبرت، في جوهرها، عن ذهنية الحرب الباردة وثقة مفرطة بقدرة الذرة على إعادة تشكيل الجغرافيا.
مشروع قديم من زمن الحرب الباردة
الحديث هنا لا ينتمي إلى الرواية السياسية أو إلى أدبيات المؤامرة، بل إلى أرشيف أميركي موثق. ففي إطار مشروع بلاشير (Plowshare) للتفجيرات النووية السلمية، درست هيئة الطاقة الذرية الأميركية إمكان استخدام تفجيرات نووية لأغراض مدنية، بينها شق قناة جديدة في بنما أو كولومبيا بمستوى سطح البحر. في ذلك الزمن، لم تكن الفكرة تقدّم باعتبارها استخداماً للسلاح النووي في الحرب، بل باعتبارها وسيلة علمية لتسريع الأعمال الهندسية العملاقة وخفض كلفتها الزمنية، ولو على حساب تداعيات بيئية وبشرية يصعب احتواؤها.
لكن تلك المشاريع، رغم ما حملته من إغراء تقني في حسابات البيروقراطية الأميركية، لم تر النور. فالتلوث الإشعاعي المحتمل، والاعتراضات المحلية، والتعقيدات السياسية والديبلوماسية، كلها عوامل دفعت إلى دفن هذا الطموح النووي الهندسي قبل أن يتحول إلى واقع.

هرمز ليس مجرد عقدة مائية
مع ذلك، فإن استعادة هذه السابقة التاريخية في بعض المحافل السياسية الأميركية اليوم، تكتسب معنى خاصاً عند النظر إلى موقع مضيق هرمز. فالمضيق ليس ممراً بحرياً عادياً يمكن تعويضه بسهولة، بل يشكّل نقطة اختناق مركزية في سوق الطاقة العالمية. تمرّ عبره يومياً كميات هائلة من النفط والمنتجات النفطية، ما يجعله ركناً رئيسياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
هنا تحديداً، يتبدّى الفارق بين خيال الستينيات والواقع الحالي. فما يمكن رسمه على الخرائط أو في الدراسات العسكرية، لا يمكن فصله عن الحقائق السياسية، ولا عن الكلفة البيئية والقانونية والإنسانية. ومهما بلغت القوة الأميركية، فإن تحويل الخليج العربي إلى ورشة تفجير نووي من أجل خلق بديل بحري ليس خياراً قابلاً للتسويق أو التطبيق، لا داخلياً ولا دولياً.
من الردع البحريّ إلى وهم السيطرة المطلقة
ما تريده واشنطن فعلياً - على ما يبدو - ليس شقّ مضيق بديل بالقنابل النووية، بل منع إيران من تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز استراتيجية. ولهذا، فإن النقاش الأميركي العلني يتركز، في الأغلب، على حماية حرية الملاحة، وتعزيز الانتشار البحري، ورفع كلفة أيّ محاولة إيرانية للإغلاق أو التعطيل. لكن مجرد استحضار سيناريوهات نووية من هذا النوع يكشف أزمة أعمق، ألا وهي عجز قوة عظمى عن إيجاد حلول سياسية مستقرّة، فيدفع بعض دوائرها، أو بعض الخطابات المحيطة بها، إلى التلويح بأفكار تعكس منطق السيطرة المطلقة على الجغرافيا بالقوة.
وهذه هي الذهنية نفسها التي طبعت أجزاء من التفكير الأميركي في ذروة الحرب الباردة.
ما الذي تقوله الفكرة في جوهرها؟
قد لا يكون هناك على طاولة الرئيس ترامب مشروع أميركي فعلي لشقّ بديل عن مضيق هرمز بالقنابل النووية. لكن مجرد عودة هذا النوع من الأفكار إلى التداول يكشف شيئاً مهماً، وهو أنه حين تعجز السياسة عن معالجة الأزمات، يعود بعض الخيال السياسي الأميركي إلى اقتراح حلول تتعامل مع الطبيعة والجغرافيا والبشر باعتبارهم عقبات قابلة للإزالة بالقوة. وبين أرشيف القناة الذرية الأميركية في بنما وكولومبيا، وبين واقع الخليج اليوم، يظهر أن المشكلة لم تكن يوماً في القدرة التقنية وحدها، بل في الوهم الذي يصاحبها، وهم الاعتقاد بأن كل مأزق جيوسياسي يمكن حلّه بالقوة.
ففي شرق أوسط يتقاطع فيه النفط والممرات البحرية، وعجز الردع التقليدي، تبدو هذه الأفكار أقل شبهاً بالحلول، وأكثر شبهاً باعتراف صريح بفشل السياسة أمام الجغرافيا.