"هرمجدون" و"آخر الزمان" عناصر أساسية في الحرب الدائرة
في المشهد السياسي العام يُنظر الى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل على إيران، على أنها محاولة لمنع طهران من امتلاك قنبلة نووية قد تُهدِّد وجود إسرائيل، وربما يصل تهديدها الى أماكن أخرى من العالم.
وينظر إليها على أنها محاولة لفرض سيطرة على غرب آسيا بما لها من أهمية في الجغرافيا السياسية وفي الاقتصاد السياسي الحاضرين بقوة في الصراع الدولي الكبير. وهي محاولة لمنع إيران من بسط نفوذها على إقليم استراتيجي في الخارطة العالمية، وقد تبين مع مرور الزمن بالفعل وجود طموحات إيرانية للتمدُّد خارج أراضيها المترامية.
خلفيات عقائدية
في المعركة الدائرة بين الفريقين تبرز آثار الخلفيات العقائدية بوضوح، وقد فسحت أيام الهدنة الساخنة منذ ما يقارب الشهر المجال للتأويلات والتحليلات ولتوظيف المرامي الدينية للمنازلة، كون هذه المرامي تساعد على تبرير الأخطاء، وتهدّئ من روعة الصدمة التي أحدثتها تكاليف الحرب حتى الآن – ولدى كلا الفريقين – وهي وسيلة للهروب من المسؤولية عن المجزرة الدولية الحاصلة، حيث أدت تداعيات الاشتباك إلى اضطراب في الأسواق على مستوى العالم، وأحدثت خوفاً عميقاً لدى الدول المجاورة لساحات الاشتباك من النتائج التي قد تسفر عنها، لا سيما إذا ما أدت المفاوضات الجارية الى شيء من تبادل المنافع بين المتخاصمين، يفضي الى تسديد فواتير من حساب الغير، أو على حساب الانتظام الدولي العام.
يستحضر الجانب الإسرائيلي اليميني المتطرِّف معركة "هرمجدون" التي وردت في سفر الرؤيا في العهد القديم، على اعتبار أنها استحقاق تاريخي تُمهِّد لعودة "مسيح الأمم" والوزيران اليمنيان المتطرفان ايتامار بن غفير ويسرائيل سموتريتش اللذان يقودان الحراك "التيوقراطي" يلقيان مساندة واسعة من أوساط الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية، حيث العديد من قادة هذا الحزب يؤمنون "بالصهيونية المسيحية" ويدفعون باتجاه خوض المعركة ضد ايران التي تعتبر بالنسبة إليهم شراً، والدفاع عن إسرائيل عملٌ محمود كما يدَّعون.
أما على الضفة الأخرى من المسرحية الميثولوجية الخفية، تقف القيادات الإيرانية وحلفاؤها من أتباع المذهب الإثني عشري شاهرة سيف الحق ضد الباطل، وهي تعتبر ما يجري حلقة من استحقاقات تاريخية موسومة ذكرتها الكُتب، بمعنى أنها معركة "آخر الزمان" وهي حتمية تسبق ظهور "المهدي" عندما ينتصر العدل على الشر. وفي التفسير السياسي لاعتماد هذه السردية يمكن إعفاء المخطئين عن تبعات أخطائهم، واعتبار التضحيات بمثابة القرابين على مذبح الحق، حيث الذي يرتقي شهيداً في هذه المعركة يكون محظوظاً برأيهم.
آخر الزمان
سبق أن تمَّ استحضار هذه التوصيفات للمعركة الآنفة الذكر في السابق، خصوصاً إبان معركة حطين بين العرب والمسلمين وبين الروم "أو الصليبيين" عام 1187، كما استحضرها بعضهم في معركة السلطان يعقوب التي حصلت في العام 1982 بين القوات الإسرائيلية والقوات السورية، على اعتبار أن رواية معركة آخر الزمان تُشير الى مشاهدة دماء غزيرة في البقاع. لكن كل هذه السرديات ليس لها ما يُحتمُها في السياسة، وهي تخضع لتفسيرات متعددة ومختلفة، والجميع يعلم أن "العهد القديم" تعرَّض لتحريفات جمَّة، وبعض ما ورد يتناقض جوهرياً مع الرسالات السماوية السمحاء جميعها، حيث إن هذه الرسالات تدعو للمحبة وللألفة، والله لا يُبيح قتل الأبرياء، ولا يعطي المُلك إلا لصاحب الحق، والله بواقع الأمر هو الحق، وبالتالي فإن الفرضيات التي تستخدم "الوعود الواهية" لتحقيق أطماع توسعية كما في مقولة أن يهوا وعد اليهود بأرض تمتد من الفرات الى النيل؛ هي فرضيات غير سويَّة، ولا تستند أي منطق.
يترقب العالم نتائج القمة الأميركية – الصينية التي تعقد في بكين، علَّها تخرج الدخان الأبيض من فوهات القصور، ذلك أن البشرية تُنشِدُ السلام، وترفض استخدام الميثولوجيات الخفية لتحقيق مطامع توسعية، ولاستغلال ثروات الشعوب، والتحكُّم بالناس بغطاء المشروعية العقائدية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية