هذا الجرحٌ الغائر… المُدهش!
نعيش زمناً لا يشبه نفسه…
كأن العالم يكتب يومياته "كعاشقٍ خطَّ سطراً في الهوى ومحا"، كما قال الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، في أرقّ صوره: "يبكي ويضحك… لا حُزناً ولا فرحاً. كعاشق خط سطراً في الهوى ومحا".
نحن نعيش أغرب لحظات التناقض، فالخراب حولنا من كل جانب إنساني واقتصادي وعسكري، ومع ذلك الكل يقنعك بأن ما نحن عليه هو هدنة,.. بل سلام! أو أقله نحو طريق سلام مرتقب!
هذا الخراب العظيم ليس مجرد مشهد عابر، بل دمار أصاب عمق الإنسانية، وأخلّ بتوازن العقل والضمير. دمر الروح المتعبة أكثر مما دمر المباني... بل هو الخلفية الدائمة لكل شيء:
في الإنسان حين يضيق صدره بما لا يُقال. في الاقتصاد حين تتكسّر الأرقام على حواف العجز، وفي الجغرافيا حين تتحول الخرائط إلى جروح مفتوحة.
ومع ذلك، يخرج من بين الركام صوتٌ رسميّ هادئ، يُربّت على كتف الحقيقة المرتجفة، ويقول لنا بثقة: هناك سلام… بل سلام جميل، وعليكم أن تبتسموا.
أي سلامٍ هذا الذي يُشبه هدنةً بين قذيفتين؟ وأي طمأنينة تُبنى فوق ارتجاف العالم؟ نحن في حربٍ كونية لا تُسمّى حرباً عالمية جديدة، فقط لأنها لم ترتدِ المعطف الأوروبي بعد. وحيث أن مسرحها هذا الشرق الملتهب فستبقى غير معترف بعالميتها، فهي حربٌ تحرق هذا الشرق الأوسط المصاب بلعنة الجغرافيا وثقل التاريخ، تحرق قلب العالم ومركز ثقله بشكل أساسي، ولكنها موزّعة على الشاشات، وعلى أسعار النفط، وعلى أعصاب الناس في كل العالم.
حربٌ دولية شاملة بلا إعلان رسمي، دخانها يصل إلى كل بيت. كأن البشرية اتفقت، بصمتٍ مُريب، على أن تغيّر اسم الأشياء لتخفف وقعها، لا حقيقتها.
الأعجب من كل ذلك، أن الجميع منتصرون. في هذا المسرح الكوني، لا وجود للهزيمة، فقط روايات متقابلة.
يقول دونالد ترامب إنه دمّر خصمه، وقضى على الجيش الإيرانى وكل قادته، ويعلن المرشد الأعلى خامنئي الإبن أن أميركا هي التي انكسرت. كأن النصر لم يعد نتيجة، بل خطاب… بيان يُلقى، لا واقعاً يُعاش.
إيران تقول إنها تمسك بـمضيق هرمز كقبضة يد، وتطلب في الوقت ذاته رفع الحصار عن موانئها. والولايات المتحدة تؤكد سيطرتها على الممرات، لكنها تُطالب بفتحها.
تناقضات لا تُفسَّر، بل تُدار… كأن الحقيقة نفسها أصبحت طرفاً في النزاع. حتى الهدنة، التي يفترض أن تكون استراحةً للحياة، تحوّلت إلى استراحة للحرب.
توقفت البنادق قليلاً، لكن الكلمات واصلت إطلاق النار. الأسواق ترتجف، النفط يصعد كنبض خائف، والعالم يراقب نفسه مخنوقاً في حرب المضائق، وهو يختنق ببطء.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، من قائمة آخر الرجال المحترمين والذين تشفق عليهم. فهو كان يتمنى أن يودع موقعه بعد أشهر والعالم لا يزال فيه ما تبقى من نظام، ولكن يبدو أنه سيسلم خلفه حطام نظام.
يحذر من خنق الاقتصاد العالمي، وهلاك الكوكب. فيما يرى خبراء الطاقة أن ما يحدث قد يكون أكبر من مجرد أزمة… ربما هو اختبار لقدرة العالم على تحمل نفسه.
وفي الخلفية، تستمر الجبهات في أداء دورها الكبير: لبنان يشتعل، وفلسطين تدمر والتهديدات تتكاثر، والردود تُكتب مسبقاً، كأنها مشاهد في نصّ لا يريد أن ينتهي.
نحن، في قلب هذا كله، لسنا شهوداً فحسب… نحن جزء من هذه المفارقة. نُصدّق لأننا نريد أن ننجو، ونشكّ لأننا نعرف أن النجاة موقتة.
هذا زمنٌ لا ينتصر فيه أحد، بل ينجو من يُحسن رواية نجاته. أما الحقيقة… فلا تزال عالقة بين خطابين، تبحث عن اسمٍ واحدٍ لما يحدث.
ومن يمكنه أن يقول للعالم حقيقة الأمر هي شعوب شاهدة محاصرة بالنار من كل جانب، عندما تنجو سنسمع منها.
أما الآن فليس أمامنا غير مسلسل من التناقضات المفزعة، نرتدي قناع الديبلوماسية المعلبة، ونرى جرح نزيفنا ثم نبتسم ونقول: يا لهذا الجرح الغائر المدهش!