هدنة موقتة وصراع أطول من أعصاب الجميع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أكرم بزي

 

 

في هذه المنطقة التي لا تعرف معنى الإجازات ولا الهدوء الحقيقي صار تمديد وقف النار في لبنان يشبه تأجيل امتحانٍ صعب لا أحد مستعد له لكنه قادم مهما حاولوا تأخير الموعد. ما يجري اليوم لا يمكن قراءته خطوةً أمنية عابرة بل كجزء من مسارٍ تفاوضي أوسع تقوده الولايات المتحدة حيث تتشابك الساحة اللبنانية مع التوترات الإقليمية عموماً والعلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران خصوصاً في مشهد يبدو كأنه لعبة شطرنج طويلة لا أحد يجرؤ على إعلان نهايتها.
ففي 16 نيسان 2026 دخل وقف النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ بوساطة أميركية لمدة أولية قاربت عشرة أيام، في محاولة لاحتواء التصعيد الذي تزايد خلال الأسابيع السابقة. لم يكن القرار وليد لحظةٍ إنسانية مفاجئة أو صحوة ضمير دولية بل نتيجة إدراكٍ واضح أن استمرار المواجهة بلا ضوابط قد يقود إلى انفجارٍ إقليمي لا يملك أحد رفاهية تحمل تكلفته. وبعد أيام قليلة أعلن في 23 و24 نيسان 2026 عن تمديدٍ إضافي للهدنة ثلاثة أسابيع عقب جولات محادثات رفيعة المستوى في واشنطن، وهو ما عكس خشيةً حقيقية لدى الأطراف الدولية من انهيار سريع قد يفتح أبواب المنطقة على سيناريوات أكثر خطورة.
لكن الهدنة رغم أهميتها لم تتحول إلى سلامٍ حقيقي بل بقيت هشّة كزجاج رقيق، إذ استمرت العمليات العسكرية المحدودة والاشتباكات المتقطعة في الجنوب اللبناني ما أظهر أن وقف النار لا يعني نهاية الحرب بقدر ما يعني توقفها لالتقاط الأنفاس فقط. هذا النمط ليس جديداً على المنطقة، فالمفاوضات هنا غالباً ما تبدأ بينما المدافع لا تزال ساخنة وكأن الأطراف تتحدث بيد وتضغط على الزناد بيد الأخرى.
في 14 نيسان 2026 استضافت واشنطن إجتماعاً ثلاثياً ضم ممثلين عن لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في خطوةٍ اعتبرت أول تواصل ديبلوماسي مباشر بهذا المستوى منذ سنوات طوال. بدا المشهد كأنه محاولة لإعادة ترتيب الأوراق، لكن الوقائع الميدانية لم تمنح أحداً فرصة للاحتفال، إذ استمرت الضربات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية وسجلت عمليات إطلاق صواريخ من الجانب المقابل، لتؤكد أن الديبلوماسية هنا لا تتحرك في فراغ بل وسط ضجيج الانفجارات ورائحة البارود.
وسط هذه المعادلة المعقدة يقف لبنان في موقعٍ لا يحسد عليه كدولة تحاول الحفاظ على توازنها الداخلي بينما تتصارع فوق أرضها مشاريع إقليمية ودولية كبرى. المفاوضات الحالية لا تتعلق بوقف النار فحسب، بل تمتد إلى ملفاتٍ حساسة مثل الانسحاب من مناطق جنوبية وترسيم الحدود البرية وإعادة تثبيت دور الدولة اللبنانية كجهة أمنية أساسية. لكن هذه الأهداف تصطدم بواقعٍ سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية ويصبح أي قرارٍ سياسي أشبه بالسير فوق حبلٍ مشدود فوق هاوية.
المشهد اللبناني لا يمكن فصله عن التوتر الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران حيث شهد نيسان 2026 تعثراً في بعض المسارات التفاوضية غير المباشرة، ما رفع مستوى القلق الإقليمي وأبقى احتمالات التصعيد قائمة. وفي الخلفية تظل مسألة مضيق هرمز حاضرةً ككابوسٍ اقتصادي عالمي لأن أي اضطراب هناك يمتد سريعاً إلى أسواق الطاقة حول العالم. الغريب أن العالم بأسره قد يتأثر بقرارٍ عسكري واحد يتخذ في غرفة مغلقة بينما المواطن العادي يكتفي بمتابعة الأخبار بقلق ومحاولة إقناع نفسه أن الأمور لن تصل إلى الأسوأ.
على الأرض لم يلغ تمديد الهدنة منطق الردع المتبادل بل أبقاه قائماً تحت السطح. استمرت الضربات الجوية في بعض المناطق وسجل سقوط شهداء وتدمير مواقع ميدانية في وقتٍ لم تتوقف فيه عمليات إطلاق الصواريخ. هذه الوقائع تعكس حقيقةً بسيطة أن لا أحد يملك القدرة على إعلان النصر الكامل ولا أحد مستعد لتحمل تكلفة الهزيمة. لهذا، فإن الحديث المتكرر عن الضربة الأولى يبدو أقرب إلى تبسيطٍ خطير لأن التاريخ يثبت أن الضربة الثانية غالباً ما تكون أكثر تدميراً وأقلّ قابلية للسيطرة.
وفي حال توسعت المواجهة، فإن أول ضحاياها سيكون الاقتصاد العالمي. الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة نزاع بل شريان أساسي في سوق الطاقة، وأي اضطراب في الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاعاتٍ حادة في أسعار النفط وانعكاسات مباشرة على التضخم العالمي. التجارب السابقة أثبتت أن مجرد التهديد بإغلاق ممرٍ بحري استراتيجي يكفي لإرباك الأسواق الدولية حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة. فكرة أن قذيفة تسقط في قرية صغيرة يمكن أن ترفع سعر الوقود في قارة أخرى تبدو عبثية لكنها حقيقة اقتصادية يعرفها الجميع.
الدول العربية تجد نفسها في موقفٍ معقد عندما يصبح الحياد الكامل ترفاً صعباً والانخراط المباشر مغامرة خطيرة. أي توسع في العمليات العسكرية قد يضع منشآت النفط والموانئ في دائرة الاستهداف، وهو سيناريو تخشاه جميع الأطراف لتكلفته الباهظة على الاستقرار الداخلي. لذلك تتحرك الديبلوماسية العربية بمنطق إطفاء الحرائق قبل انتشارها عبر تسوياتٍ موقتة لا تعالج جذور المشكلة.
في الختام قد تمنح الهدنة المنطقة فرصةً لالتقاط الأنفاس لكن الواقع يقول إن هذا الهدوء يسبق العاصفة. الأسباب الحقيقية للصراع ما زالت قائمة والمفاوضات لا تزال تدور في دائرة اختبار الإرادات وتبادل الرسائل. في هذه المنطقة لا شيء ينتهي بسهولة وكل هدنة تبدو أحيانا كأنها استراحة قصيرة في طريق طويل مليء بالمفاجآت التي تصل دائما في أسوأ توقيت ممكن.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية