نينغشيا الصينية… قصة التحول من شحّ الموارد إلى ازدهار الريف (صور)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

كانت نينغشيا المحطة الأخيرة في جولتي داخل الصين، وربما كانت من أكثر المحطات التي تركت لديّ انطباعاً خاصاً. قد لا تكون هذه المنطقة من أكثر المناطق الصينية شهرةً لدى العالم، لكنها كانت من أكثر الأماكن التي أثارت فضولي خلال هذه الرحلة، لأنها تجمع بين التاريخ، والتنوع الثقافي، وقصة تحول تنموي لافت.

تقع منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي في شمال غرب الصين، وتُعد موطناً رئيسياً لقومية هوي المسلمة، وفيها تنتشر المساجد والمطاعم الحلال، وتمتزج الثقافة الإسلامية بالتقاليد الصينية في مشهدٍ يعكس التنوع الذي تتميز به الصين.

في شوارع ينتشوان، عاصمة المنطقة، يمكن ملاحظة هذا المزيج بوضوح، من العمارة إلى الأسواق وصولًا إلى المأكولات التي تحمل تأثيرات صينية وإسلامية في آن واحد.

 

قصة نينغشيا الصينية (النهار)

 

لكن ما لفتني أكثر من أي شيء آخر لم يكن هذا التنوع الثقافي فحسب، بل التحول الكبير الذي شهدته المنطقة خلال العقود الماضية. فنينغشيا، التي تضم مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية وتواجه تحديات طبيعية بسبب قلة المياه وقسوة المناخ، أصبحت اليوم نموذجاً في استصلاح الأراضي، وتطوير الزراعة، وتحقيق التنمية الريفية.

 

 

قصة نينغشيا الصينية (النهار)

 

 

وكان من المميز أن تكون نينغشيا آخر محطة في رحلتي، خصوصاً بعد أن بدأت هذه الجولة بالتعرف على قصة المسيرة الطويلة (Long March) في مناطق أخرى من الصين. فهذه المنطقة ارتبطت أيضاً بهذه الرحلة التاريخية، إذ عبرت قوات الجيش الأحمر خلال مراحلها الأخيرة مناطق من نينغشيا، حيث كانت التضاريس الصعبة والظروف القاسية جزءاً من التحديات التي واجهتها المسيرة الطويلة. واليوم، عندما تنظر إلى هذه الأراضي نفسها، ترى مشهداً مختلفاً تماماً؛ قرى حديثة، وحقول خضراء، ومشاريع تنموية تعكس حجم التحول الذي شهدته المنطقة.

 

 

قصة نينغشيا الصينية (النهار)

 

 

خلال الأيام التي أمضيتها في نينغشيا، تنقلت بين عدد من القرى والمشاريع الزراعية التي كانت تواجه في الماضي تحدياتٍ كبيرة بسبب طبيعة الأرض والمناخ. إلا أن الاستثمار في شبكات الري الحديثة، وتحسين البنية التحتية، واستخدام تقنيات زراعية أكثر تطوراً، ساهم في تحويل مساحات واسعة إلى مناطق منتجة.

 

كانت إحدى أبرز المحطات قرية هونغده، حيث رأيت كيف تحولت الأراضي القاحلة إلى حقول خضراء بفضل مشاريع الري وإدارة الموارد المائية. هناك، لم تعد الزراعة مجرد وسيلة تقليدية للعيش، بل أصبحت قطاعاً يعتمد على التعاونيات والتكنولوجيا الحديثة، ما ساعد السكان على تحسين الإنتاج وفتح فرص اقتصادية جديدة.

 

 

قصة نينغشيا الصينية (النهار)

 

 

 

وخلال تنقلنا بين مناطق نينغشيا، كان المشهد الأكثر حضوراً هو التناقض الجميل بين الصحراء والخَضار. فمن الصعب أن تتخيل أن هذه الحقول والقرى التي تراها اليوم كانت في الماضي تواجه ظروفاً طبيعية قاسية. بفضل مشاريع التشجير، وتثبيت الرمال، وتحسين استخدام المياه، تغير وجه المنطقة بشكل واضح، وأصبحت الزراعة والسياحة الريفية والصناعات المرتبطة بالمنتجات المحلية جزءاً مهماً من اقتصادها.

 

وبعيداً من الزيارات الرسمية، أردت أن أعيش تفاصيل الحياة اليومية في نينغشيا. لذلك قصدت سوق هوايْيوان الليلي في مدينة ينتشوان، أحد أشهر الأسواق الشعبية في المنطقة. هناك، وجدت صورةً مختلفة للحياة الصينية اليومية؛ روائح الأطعمة المحلية، أصوات الموسيقى، حركة العائلات والشباب، والأجواء التي تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل. تجولت بين الأكشاك، وتذوقت عدداً من المأكولات المحلية، ولاحظت كيف يشكل هذا المكان مساحة تجمع السكان والسياح للاستمتاع بتجربة ثقافية واجتماعية مميزة.

 

كما خضت تجربة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في الصين، وهي قيادة الدراجة الكهربائية المشتركة. كل ما احتجته هو مسح رمز الاستجابة السريعة عبر WeChat أو Alipay، لتنطلق الدراجة خلال ثوانٍ. أكثر ما أعجبني أن هذه الخدمة منتشرة بشكل كبير، ويمكن ترك الدراجة في أماكن مخصصة ليستفيد منها مستخدم آخر، في نموذجٍ يعكس اعتماد المدن الصينية على وسائل نقل ذكية وسريعة وصديقة للبيئة.

 

 

قصة نينغشيا الصينية (النهار)

 

 

 

وأنا أغادر نينغشيا، لم أحمل معي صوراً جميلة فحسب، بل خرجت بانطباع واضح عن منطقة اختارت مواجهة تحدياتها بالعمل والتخطيط طويل الأمد. فمن أرض ارتبط اسمها بالصحراء وشحّ الموارد، إلى منطقة تجمع بين الزراعة الحديثة والثقافة والتكنولوجيا، تقدم نينغشيا مثالاً على كيف يمكن التنمية أن تغيّر واقع المجتمعات عندما تقترن برؤيةٍ واضحة واستثمار مستمر في الإنسان والأرض.

 

وكان لافتاً أن تكون هذه المنطقة هي نهاية رحلتي في الصين؛ نهاية جمعت بين التاريخ الذي تعرفت عليه من خلال قصة المسيرة الطويلة، والحاضر الذي رأيته في القرى والأسواق والمشاريع التنموية. نينغشيا لم تكن مجرد محطة أخيرة، بل كانت خلاصة تجربةٍ رأيت فيها كيف يمكن الإرادة والعمل أن يصنعا تحولاً حقيقياً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية