«نور» وهوية الإعلام اللبناني: عندما تلتقي الخوارزمية بالثقافة والتنمية
د. حميدة العجل
في الثامن والعشرين من يوليو/تموز 2026، أطلقت مجموعة «النهار» الإعلامية أول نشرة أخبار تُقدَّم بالكامل بالذكاء الاصطناعي، في خطوة وصفتها بأنها الأولى عربياً، مستندة إلى المذيعة الرقمية «نور» والمراسل الرقمي «نهار». ويأتي هذا التحول امتداداً لمسار عالمي بدأ مع تجارب رائدة، أبرزها تجربة وكالة الأنباء الصينية شينخوا (Xinhua) عام 2018، التي قدمت أول مذيع أخبار افتراضي، قبل أن تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية حول العالم. إلا أن أهمية هذه التجربة في لبنان تتجاوز بعدها التقني، لتطرح أسئلة جوهرية حول هوية الإعلام، والثقافة، والتنمية في عصر التحول الرقمي.
يتميّز المجتمع اللبناني بعلاقة خاصة مع الإعلام، إذ لم يكن المذيع يوماً مجرد ناقل للأخبار، بل رمزاً للثقة ووجهاً يعكس نبض المجتمع في لحظات الأزمات والتحولات. لذلك، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرفة الأخبار يفرض إعادة التفكير في مفهوم الثقة الإعلامية. فرغم قدرة الخوارزميات على إنتاج المحتوى بسرعة ودقة، تبقى الثقة مرتبطة بالمسؤولية الإنسانية والقدرة على التفسير والتحليل واتخاذ المواقف المهنية. وفي ظل تنامي وعي الجمهور، ولا سيما فئة الشباب، بآليات الذكاء الاصطناعي، يصبح معيار المصداقية أكثر ارتباطاً بالشفافية والإفصاح عن كيفية إنتاج المحتوى، لا بمجرد التطور التقني.

ثقافياً، تمثل تجربة «نور» اختباراً لهوية الإعلام اللبناني، الذي عُرف تاريخياً بحرية الرأي والتعددية والدور الرقابي للصحافة. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم العمل الإعلامي من خلال تسريع إنتاج الأخبار وتحليل البيانات، لكنه لا يمتلك الوعي الأخلاقي أو الحس النقدي اللذين يشكلان جوهر الرسالة الصحافية. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال الإنسان بالخوارزمية، بل في بناء علاقة تكاملية تضع التكنولوجيا في خدمة الصحافي، وتحافظ في الوقت نفسه على القيم المهنية والثقافية التي تميز الإعلام اللبناني.
أما من منظور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه الخطوة تفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الاقتصاد الرقمي، وخلق فرص عمل في مجالات تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، والإنتاج الإعلامي الرقمي، بما يسهم في دعم الابتكار واستثمار الكفاءات اللبنانية. لكنها، في المقابل، تفرض تحديات تتعلق بإعادة تأهيل العاملين في القطاع الإعلامي، وتطوير المهارات الرقمية، ووضع أطر قانونية وأخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن حماية المهنة وحقوق المجتمع في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
إن نجاح تجربة «نور» لن يُقاس بقدرة الخوارزمية على قراءة الأخبار، بل بقدرة المؤسسات الإعلامية والمجتمع على توظيف الذكاء الاصطناعي بما يعزز جودة الإعلام، ويحافظ على الهوية الثقافية، ويدعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن الإنسان، وإنما أداة تتحدد قيمتها بمدى وعي المجتمع في استخدامها، وبقدرته على تحقيق التوازن بين الابتكار والهوية، وبين التطور التقني ورسالة الإعلام.