نوازع شرفتي (من وحي واقعنا المشرذم بين النزوح والعودة)
مارلين سعاده
لطالما جلست في شرفة منزلي، ألِفتها وألفتني منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً قضيناها - أنا وزوجي - في بداية حياتنا الزوجية، نستقبل فيها أصدقاء في أماسينا؛ ثم تحوّلت إلى مساحة سلوى لابني البكر وأخوته من بعده، أرقب معهم السيارات العابرة على الطريق، حين يحاصرنا السأم، فتؤنسنا وتخفّف من ضيقنا... ولطالما وقفت خلف بابها أرقب من تأخّر في العودة من أهل بيتي، والقلق يعصرني، والريبة تصدع سلامي، فلا يرأبه سوى يقيني من أنّهم قد عادوا...
لطالما حلمت، مع مرور السنين وتراكُم المسؤوليّات، بالتنعّم بلحظات استراحة وتأمُّل من خلالها. ولكم سحرني جمال واجهة الطريق المقابلة، وقد سُوِّرَت بشجر الكينا وتزيّنت بمختلف ألوان الزهور وأنواعها، تشرئبُّ بأعناقها متطاولةً، وكأنّها تشاغب بغية الفرار من خلف السياج.
لا تزال شرفتي قائمة، رغم الترحال المتكرّر، فاتحةً لي صدرها، رغم ابتعادي الدائم وتجاهلي - غير الواعي - لوجودها. أطلُّ من دون قصد، لسببٍ تافه، ألقي نظرةً سريعة خارج حدودها، وأعزم على المغادرة بأسرع ممّا أتيت، فتستوقفني من دون أن أعي السبب! أجدني أسأل نفسي: "لماذا لا أستريح؟! لماذا أتجاهل وجودها؟!"
وتتوالى صور من ماضينا وأوقاتنا معاً، أنا وشرفتي، مع كلّ من أحبّونا وأحببناهم؛ هم هجروا المكان قسراً، كرهوه غصباً عنهم، واختاروا لهم مقاماً بعيداً عن عالمهم السابق. هربوا من الواقع المرّ، واقع الحرب المخيف، وآثروا البقاء في القرية حيث السلام والهدوء.
اليوم، استوقفتني شرفتي، ذكّرتني بأيّامنا السالفة، كانت حزينةً عليّ، أدركَت أنّني بتُّ وحيدة، كما أدركَت أنّ الكل هجرها، ولم يعد يرغب بها؛ أمّا هي، فبقيت وفيّة، أعادت إلى ذاكرتي صور أقاربي الذين عاشوا هنا عمراً بكامله، ورحلوا... منهم من تزوّج وانتقل إلى عالمٍ جديد، ومنهم من غادر عالمنا مستغنياً حتى عن جسده... رحلوا تاركين خلفهم حكاياتهم، السعيدة منها والحزينة. يا لقدرة الزمن! كيف يستطيع أن يحتفظ بكل تلك الذكريات وتفاصيلها؟! نراها تطلّ علينا لحظة نستدعيها، من دون أن تؤدّي تراكماتها إلى ذوبانها وتشوّهها!
لكنّ شرفتي لم تستدعني لأتحدّث عنهم! دعتني لأشهد الحياة وهي تدبُّ مجدّداً في شارعنا! لا نكاد نصدّق، لا أنا ولا شرفتي، هذا الواقع الذي نعيشه! كيف كفّن الموت شارعنا منذ أشهرٍ وعادت إليه الحياة من جديد اليوم؟! وهو الأمر نفسه الذي حصل قبل ذلك مراراً وتكراراً! كيف يمكن للحرب أن تلبس هذا الوجه الجديد؟! نعيش السلام والحرب بالتوالي، يوماً حلواً ويوماً مرّاً؛ نخسر فنتألّم، نموت ثم نعود إلى الحياة مجدّداً! هل شهدت الأرض في تاريخها حرباً كحربنا؟
تُرى من يعطي هذا الآخر السلطة ليتحكّم بمصيرنا، ليفرض علينا الإرهاب ساعة يشاء، ويدير لنا ظهره غير مكترث، ثم يعود إلينا أشرس من قبل، متى طابَ له أن يعود؟! آه يا شرفتي من هذا الواقع المرير، إلى متى هذا العبث المهيمن!