نواح أهل مراكش

أن تنتقد أو تهاجم البرامج العسكرية والاقتصادية والعلمية والسياسية لبلد جار، تجمعك به أزماتٌ لا عدّ ولا حصر لها، فذاك أمرٌ يحدث، وصار ضمن يوميات أهل بلاد مراكش، بل ولم يعد يثير أحدا وغلب فيه التطبُّع، الطبع.

لكن أن تعيش حياة الجيران، فتصحو على الساعة الثالثة فجرا، على رنة منبهات هواتفهم المحمولة، وتعيش آهاتهم وزفيرهم وشهيقهم وتحسُّرهم وبهجتهم، وهم يتابعون مباراة منتخب بلادهم بمنتخب النمسا أو غيره من المنتخبات التي لا تعنيه، وربما لا يعرف لها في خارطة الدنيا مكانا، فذاك ما صار يثير الشفقة على هذا الجار، الذي يعيش حياتنا بمرّها وحلوها.
براميل اللعاب والحبر التي هطلت بعد نهاية مباراة الكرة، بين الجزائر والنمسا، ورعدت بها قنواتٌ توصف بالكبيرة في بلاد مراكش، قدَّمت عرضا إعلاميا بائسا، عندما صاح محسوبون على الإعلام وعالم الرياضة والقانون، يطالبون الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، بفتح تحقيق في ما سموه “الفضيحة؟!”، والغريب أنهم لم يسمعوا ولم يقرؤوا ما قاله رئيس الاتحاد “أنفانتينو” عن المباراة، واصفا إياها بالساحرة، وبكونها من أمتع مباريات كأس العالم.
عاشت بلاد مراكش خلال احتضانها مباريات كأس أمم إفريقيا، عددا من الفضائح لم تشهد مثيلا لها كلُّ الدورات وفي كل القارات. وكان السنغاليون والفرنسيون والفليبينيون وأهل الهندوراس، يتحدثون عن فضيحة “المناشف” وسوء التحكيم والبرمجة، ولا يكاد الجزائريون يذكرون ما حدث بالرغم من طرافته وغرابته، حتى وهم يخرجون من تلك المنافسة، بفعل فاعل.
أن تعيش حياتك لنفسك، فذاك أمرٌ صعب، فما بالك أن تعيش حياة الآخرين، تتابع مشاريع السكن لدى الجيران، ومخططات مدِّ شبكات الغاز والماء والهاتف والكهرباء، وتستمع لخرجات رئيس الجمهورية مع الإعلاميين، وتحفظ أغاني فنانيهم، فذاك مرضٌ نفسي خطير، أمَّا وأن تصحو في عز الليل مثلنا، وتقابل شاشات التلفزيون مثلنا في انتظار مباراة في لعبة الكرة، فذاك ما يجب التوقف عنده، على أساس أنه مرضٌ نفسي بأعراض جسدية ومعنوية عجيبة.
منذ أن ارتكبت بلاد مراكش، حماقات سياسية واقتصادية في حق الجزائر، التي تحركت بسرعة وبدقة، وألغت كل العلاقات التي تجمعها بمملكة الخيانة، في عملية بتر، بعد أن أظهر الكيُّ عدم جدواه، ونحن نتابع مكنونات ما في الصدور، في كل حدث، وأحيانا من دون حدث. وما مباريات كأس العالم ببعيد.
عندما فاز المنتخب الجزائري على شقيقه منتخب الأردن، ربطوا الفوز بزيارة وزير الخارجية الجزائري إلى عمان ومساعدة بترولية جزائرية للمملكة الهاشمية، وعندما حقق المنتخبُ الجزائري أمام النمسا تعادلا وضعه في الدور الثاني، طلبوا من الهيئات الدولية فتح تحقيق بعويل وصراخ.
ولو كان الأمر مجرد مغرِّدين وذباب عفن يبحث عن “إعجابات”، لهان، وما أثار حتى الانتباه، ولكنه مخطط عمل شامل، فيه قليل من فرنسا وكثير من الكيان، يتم فيه محاولة تشويه كل نقطة ضوء في الجزائر، حتى ولو كان انتصارا في لعبة… نعم لعبة.
يا نافخ القمر الزاهي ليُطفئه تفنى قواك ولا يدري بك القمرُ.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post نواح أهل مراكش appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk