نهب منازل جنوب لبنان قبل تدميرها... ماذا تكشف شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي؟
تصدّرت قضية السرقات والنهب التي يرتكبها جنود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان عناوين الصحف والمواقع الإسرائيلية، عقب شهادات أدلى بها مقاتلون وقادة ميدانيون، بالتوازي مع نشر جنود من لواء غيفعاتي، يخدمون في قرى الجنوب اللبناني، فيديو يوثّق عمليات سرقة وتخريب داخل منازل مدنيين قبل حرقها أو تدميرها.
توبيخ زامير… تآكل الانضباط داخل الجيش
في ضوء هذه المعطيات، وجّه رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير توبيخاً حاداً لقائد لواء غيفعاتي، على خلفية حوادث وصفها بـ"الصعبة". وبعد مقارنته بين تحطيم تمثال السيد المسيح وأحداث معاداة السامية في أوروبا، اعتبر أن ما يجري يعكس "تآكلاً في الانضباط" يصل إلى حد "التمرّد"، بحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي.
وكشف ضباط حضروا "منتدى القيادة" أن زامير وجّه لهم توبيخاً شديداً، إلى درجة أن أحداً لم يجرؤ على مقاطعته، في إشارة إلى حساسية الموضوع داخل المؤسسة العسكرية.
وتوسّع زامير في عرض مؤشرات التدهور، مشيراً إلى ارتفاع بنسبة 30% في الأفعال المخلة والاعتداءات الجنسية، إضافة إلى تزايد تورّط جنود في قضايا جنائية، من بينها التجسس لمصلحة إيران، وعمليات تهريب إلى غزة، بمشاركة عناصر من الخدمة النظامية والاحتياط.
وأشار إلى حادثة إدخال عائلات جنود قتلى إلى بنت جبيل من دون إذن، واصفاً ذلك بـ"الخطأ"، نظراً إلى أن المنطقة لا تزال ضمن نطاق العمليات. ولفت أيضاً إلى رفضه المتكرر إدخال صحافيين إلى الأراضي اللبنانية بسبب المخاطر الأمنية.
نهب ممنهج… بعلم القادة
في الميدان، تتوسّع ظاهرة نهب الممتلكات، من أثاث وأجهزة كهربائية وتلفزيونات ودراجات نارية وصولاً إلى مركبات، وسط شهادات تفيد بأن هذه الممارسات تتم أحياناً بعلم قادة ميدانيين.
وعزا جنود ذلك إلى غياب الردع، بعد إزالة بعض نقاط الشرطة العسكرية التي كانت تراقب المخارج من جنوب لبنان، وعدم وجود بدائل فعّالة. ويختصر أحدهم المشهد بالقول: "عندما لا يكون هناك عقاب، تكون الرسالة واضحة".
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن جندي قوله: "يسأل الجنود أنفسهم: ما الفرق إن أخذتُ شيئاً؟ فالمنزل سيُدمّر على أي حال".
وبحسب التقرير، تحوّلت سرقة الممتلكات إلى ظاهرة متكرّرة في بعض الوحدات، تشمل معدات منزلية ومقتنيات شخصية، فيما القيادة العسكرية على دراية بها، من دون اتخاذ إجراءات حاسمة لوقفها.
غياب المحاسبة… والظاهرة تتمدّد
الجيش الإسرائيلي يقول إنه يتخذ إجراءات تأديبية عند الحاجة، وأن الشرطة العسكرية تنفّذ عمليات تفتيش عند المعابر، لكن شهادات الجنود تشير إلى ثغرات واضحة، مع إزالة نقاط تفتيش سابقة وعدم إنشاء بدائل في مواقع أخرى.
وتحدّثت شهادات ميدانية عن جنود ينقلون المسروقات علناً، من دون محاولة إخفائها، في مشهد "ليس سراً"، وفق وصف أحدهم، إذ "الجميع يرى ويفهم".
كما أفادت روايات بأن بعض القادة يتغاضون عن هذه الممارسات، فيما يكتفي آخرون بإدانتها لفظياً من دون اتخاذ خطوات عملية. وبحسب شهادة أحد الجنود فإنهم "لا يعلّقون ولا يغضبون. قائد الكتيبة وقائد اللواء على علم بكل شيء".
وفي إحدى الحالات، ضبط قائد ميدانياً جنوداً يغادرون بسيارة محمّلة بمسروقات، فاكتفى بإجبارهم على التخلص منها من دون فتح تحقيق.
وأكد جنود لـ"هآرتس" أن المشكلة الأساسية تكمن في "غياب تطبيق القانون"، إذ تبقى التحذيرات بلا أثر عملي. ورأى أحدهم أن أي إجراء حاسم، كالسجن أو الطرد أو إعادة فرض الرقابة العسكرية، كفيل بوقف الظاهرة سريعاً.
وتختلف مستويات النهب بين الوحدات، إذ تكاد تختفي في بعضها، بينما تتفشّى في أخرى، تبعاً لمدى التزام القادة بتطبيق المعايير.
واعتبر الصحافي الإسرائيلي يانيف كوبوفيتش الذي كشف عن هذه التجاوزات، أن طول فترات الخدمة الاحتياطية، التي تتجاوز 500 يوم، يحدّ من قدرة القادة على فرض الانضباط، ما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى تجاهل المخالفات لضمان استمرار الجهوزية القتالية، في وقت تتزايد فيه عمليات النهب بالتوازي مع حجم الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية والممتلكات.