نقاش في المسؤولية عن النكبة الفلسطينية
يبدو أن قدر الفلسطينيين، المأسوي، العيش بين نكبة وأخرى، منذ قرابة ثمانية عقود، أي منذ إقامة إسرائيل على حسابهم، كدولة يهودية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى فقدانهم وطنهم، وتقويض وحدتهم المجتمعية كشعب، وتحوّلهم إلى لاجئين، مع حرمانهم حقهم في تقرير المصير، في كيانٍ سياسي يعبّر عنهم ويمثلهم، كأيّ شعب في العالم.
ثمة ثلاث نكبات مؤسّسة، أو رئيسية، في التاريخ الفلسطيني، فالنكبة الأولى (1948) أسّست للسردية التاريخية الفلسطينية، وللهوية الوطنية الجامعة للفلسطينيين، في حين أن النكبة الثانية، التي نجمت عن حرب حزيران/يونيو 1967، والتي سُمّيت "النكسة"، مكّنت إسرائيل من احتلال باقي الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، بهيمنتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر. أما النكبة الثالثة (الحالية) التي نشهد فصولها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد نجم عنها خراب غزة، وتحويلها إلى منطقة غير صالحة للعيش، مع افتقاد أكثر من مليوني فلسطيني فيها للماء والكهرباء والغذاء والوقود والدواء وأماكن الإيواء، نتيجة حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل عليهم منذ عامين ونصف عام.
محو، تغييب وتهميش
المعنى من ذلك أن إسرائيل فعلت كل شيء في محاولتها محو الفلسطينيين أو تغييبهم أو تهميشهم، في المكان والزمان والمعنى، في سعيها الى تأبيد وجودها، وتأكيد شرعيتها، وفقاً للأسطورة الدينية، ووفقاً لحقائق القوة، والمعطيات الدولية والإقليمية، في آن.
بيد أن مشكلة الفلسطينيين، في نكباتهم تلك، لا تتوقف على ما تفعله إسرائيل بهم، إذ ثمة في الواقع العربي ما سهل، أو سمح، بتمكين إقامة هذه الدولة، كنتاج لحال الضعف والاختلاف والتفكك فيه، على الصعيدين الدولتي والمجتمعي، إذ لا يمكن تفسير إقامتها كدولة غريبة، بطابعها الاستعماري الاستيطاني الديني، وتالياً استقرارها، وتطورها، وتحولها إلى قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، لولا ذلك الواقع العربي البائس.