"نظام الطيبات" في الميزان

في مشهدٍ تتناسل فيه “الوصفات السريعة”، ويُعاد فيه تعريف الطبّ على مقاس المنصات الرقمية، تتقدّم مساءلة الادّعاءات وفق معيار العلم إلى صدارة النقاش، إذ إن ما يجري اليوم لم يعد اختلافاً عادياً في الرأي، بل يقترب من انقلاب هادئ في طريقة الفهم، حيث تتراجع المعرفة الدقيقة، ويعلو خطاب مبسّط يَعِد بالكثير دون أن يقدّم ما يثبت ذلك، فيصبح المثبَت محلّ شك، ويرتقي ما هو “قادم من العدم” إلى مصاف الحقيقة، وتغدو الفكرة غير مُقاسَة بمدى صحّتها، وإنما بمدى سهولة تصديقها وانتشارها.

هذا الالتباس ليس جديداً في جوهره، وقد اختصره أبو الطيب المتنبي قديماً بقوله: “وَكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلًا صَحيحًا .. وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقيمِ”، حيث تختلط الحقائق بالانطباعات، ويُعاد تقديم الرأي بوصفه علماً، في سياق يتّسع فيه المجال لكل ما هو حاسم وبسيط، ولو كان خالياً من الدليل.

ومن هنا لا يسعى هذا المقال إلى إقناع من اختار الرواية الأسهل في عالم يبدو وكأنه يسير بالمقلوب، بقدر ما يسعى إلى مساءلة ادّعاءات انتشرت على نطاق واسع: هل يملك ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي ارتبط باسم طبيب التخدير الراحل ضياء العوضي، ما يكفي من الأدلة ليُقدَّم كبديل علاجي، أم أننا أمام سردية تتجاوز حدود العلم؟

وجب التذكير أيضاً بأن هذا النقاش لا يتوجه إلى الأشخاص بقدر ما ينصرف إلى الأفكار، فالمسألة هنا ليست في تقييم مسار فردي أو الجدل الذي أحاط بصاحبه، بما في ذلك محتوى أثار انتقادات واسعة، سواء من حيث أسلوب الخطاب أو بعض الرسائل التي رافقته، كالتساهل في الترويج لاستهلاك منتجات عالية السكر مثل “النوتيلا”، أو طرح مواقف مثيرة للجدل بشأن عادات صحية معروفة بمخاطرها كالتدخين.

غير أن التوقف عند هذه الجوانب لا ينبغي أن يحجب السؤال الجوهري: ما مدى سلامة الأسس العلمية التي يقوم عليها هذا النظام، وما حدود تأثيره حين يُقدَّم للمرضى بوصفه طريقاً للعلاج؟

ما عُرف باسم “نظام الطيبات” لا يحتاج إلى خصومة خطابية كي يُفحَص، ولا إلى سجال عاطفي كي تُختبر وجاهته؛ يكفي وضعه أمام سؤال واحد: أين الدليل؟ فحين يُقدَّم نظام غذائي بوصفه طريقاً لعلاج السكري، وضبط ضغط الدم، والتأثير في أمراض المناعة والكلى، لا يعود النقاش متعلقاً بخيار غذائي شخصي أو بتجربة فردية عابرة، وإنما يدخل مباشرة في نطاق الادّعاء العلاجي.

وهذا النطاق لا تحكمه قوة الحضور على منصات التواصل، ولا عدد المتابعين، ولا قدرة صاحب الخطاب على تبسيط رسالته، وإنما تحكمه التجارب السريرية المحكمة، والمراجعات العلمية، وسلامة التطبيق على فئات مختلفة من المرضى.

المدخل الذي يستند إليه أنصار هذا النظام ليس خاطئاً كلّه؛ فتقليل الأطعمة فائقة المعالجة فكرة لها سند واضح في الأدبيات العلمية، وقد أظهرت تجربة المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة، التي قادها الباحث كيفن هول ونُشرت في مجلة “Cell Metabolism” عام 2019، أن تناول غذاء غني بالأطعمة فائقة المعالجة دفع المشاركين إلى استهلاك سعرات أكثر وزيادة الوزن مقارنة بغذاء غير معالج تقريباً، مع تساوي العرض الغذائي في الطاقة والمغذيات الكبرى.

وهي نتيجة مهمة لأنها تلفت الانتباه إلى أثر التصنيع الغذائي في الشهية والسلوك الغذائي، لكنها تظل نتيجة محددة بحدودها العلمية؛ فهي تجربة قصيرة، داخل بيئة مضبوطة، وعلى عدد محدود من المشاركين، ولذلك لا يجوز نقلها من معناها التجريبي الدقيق إلى وعد علاجي مفتوح.

وفي مراجعة نشرتها “BMJ” عام 2024، جرى رصد ارتباطات بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة مخاطر أمراض مزمنة، منها أمراض القلب والسكري وبعض الاضطرابات النفسية، غير أن الارتباط هنا لا يعني أن كل حالة مرضية سببها هذه الأطعمة، ولا أن الامتناع عنها يشفي المرض.

وهذه قاعدة منهجية لا تحتمل التخفيف؛ فالطب لا يبني التوصية العلاجية على التشابه الزمني بين عامل ونتيجة، وإنما يبحث في حجم الأثر، وجودة الدليل، واتساق النتائج، واحتمال وجود عوامل أخرى مثل النشاط البدني، ونمط النوم، والحالة الصحية السابقة، ومن دون هذا التمييز يتحول الاحتمال إلى يقين زائف، وتتحول الملاحظة إلى حكم قاطع.

تبدأ المشكلة حين يتحول نقد الأغذية فائقة المعالجة إلى خريطة غذائية صارمة تعيد تصنيف الطعام على نحو يصطدم بتوصيات مستقرة، ذلك أن منع خضروات غنية بالألياف، أو التضييق على أصناف نباتية نافعة، مع التساهل في السكريات والحلويات، لا ينسجم مع ما تقوله الأدلة المتراكمة.

فقد أوصت منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها بخفض السكريات الحرة إلى أقل من 10 في المئة من إجمالي الطاقة اليومية، مع فائدة إضافية محتملة عند النزول إلى أقل من 5 في المئة، وهذه ليست نصيحة شكلية، لأن السكريات حين ترتفع في الغذاء اليومي ترتبط بزيادة الوزن واضطراب المؤشرات الأيضية.

أما الألياف فليست تفصيلاً في الطب الوقائي؛ فقد خلص تحليل واسع نُشر في “The Lancet” عام 2019 إلى أن ارتفاع تناول الألياف والحبوب الكاملة ارتبط بانخفاض واضح في مخاطر أمراض القلب، والسكري من النوع الثاني، وبعض السرطانات، والوفيات الإجمالية، لذلك تبدو أي دعوة إلى إقصاء مصادر طبيعية للألياف دون سبب طبي فردي دعوة تفتقر إلى الأساس؛ ففي التغذية العلاجية لا تكفي النيّة الحسنة، بل يجب حساب الأثر والبدائل.

السكري مثال حاسم في هذا النقاش؛ فالجمعية الأمريكية للسكري تؤكد أن إدارة المرض تقوم على خطة مركبة تشمل الدواء عند الحاجة، والغذاء المناسب، والنشاط البدني، والمتابعة، ولا يوجد في الطب الجاد اختصار يلغي هذه العناصر، لذلك فإن إيقاف الدواء بناءً على تحسّن مؤقت في المؤشرات يمثل مخاطرة حقيقية، لأن التحسّن السريع لا يساوي الشفاء، والقراءة المفردة لا تختصر مسار مرض مزمن.

الأمر أشد حساسية لدى مرضى الكلى؛ إذ تتعامل التوصيات الطبية مع الغذاء وفق مرحلة المرض والتحاليل، وما يناسب مريضاً قد يضرّ آخر، لذلك يصبح تعميم نظام غذائي واحد مجازفة لا يمكن تبريرها بشعارات “الطبيعي”، لأن الجسم لا يتعامل مع الغذاء بوصفه فكرة، بل بوصفه معادلة دقيقة.

الحجة الأكثر تداولاً في الدفاع عن هذا النظام تقوم على تجارب فردية، وهي لا تُلغى إنسانياً، لكنها لا تكفي علمياً؛ لأن أي تقليل في السعرات أو ضبط مؤقت للنمط الغذائي قد يعطي أثراً أوليّاً، بينما السؤال الحقيقي يتعلق بالاستمرار، وبالمؤشرات طويلة المدى، وبسلامة التطبيق، فالعلم لا يقيس الانطباع الأول، بل يختبر النتائج واستدامتها.

ثم يظهر بُعد آخر أقل حضوراً في النقاش، وهو الأثر النفسي؛ فتقسيم الطعام إلى “مسموح” و”ممنوع” بشكل صارم قد يؤدي إلى علاقة مضطربة مع الغذاء، وهي حالة معروفة في الأدبيات النفسية، حيث يتحول السعي إلى الصحة إلى قلق دائم، خصوصاً لدى الفئات الحساسة.

انتشار هذا النوع من الخطاب لا يعكس قوّته، بل طبيعة البيئة التي تروّج له؛ فالمحتوى البسيط والواثق ينتشر أسرع، بينما يتحدث العلم بلغة حذرة، وهذا التفاوت يخلق انطباعاً مضلّلاً، لا ينتصر فيه الأدق، بل الأسهل.

لا توجد مشكلة في الدعوة إلى غذاء أفضل، بل إن ذلك جزء من الطب الحديث، لكن المشكلة تبدأ حين يُقدَّم الغذاء بديلاً عن العلاج، وحين تُلغى الفروق بين المرضى، وتُختزل الأمراض في سبب واحد، فالتغذية علم منضبط، لا شعارات.

المعيار بسيط وصارم: كل نصيحة صحية تُقاس بسلامتها، وقابليتها للاستمرار، ونوعية الدليل الذي يسندها، أما الشعبية فليست برهاناً؛ فقد ينتشر الوهم أسرع من المعلومة الدقيقة، لكنه يظل وهماً حين يعجز عن الوقوف أمام الاختبار، والغذاء ركن أساسي في الصحة، نعم، لكنه ليس بديلاً عن العيادة، ولا عن الدواء حين يلزم، ولا عن العلم حين يتحدث بدليل.

وفي هذا السياق يحضر بيت أبي العلاء المعري: “كَذَبَ الظَنُّ لا إِمامَ سِوى العَقلِ .. مُشيراً في صُبحِهِ وَالمَساءِ”.

The post "نظام الطيبات" في الميزان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress