نصف عام على السيول .. آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر

لا يُخبر اعتدال الطقس، مع بداية شهر يوليوز الجاري، بأن أمزجة السكان في مدينة آسفي استعادت بعضاً من تلك الحيوية المعتادة؛ فقد مرت أكثر من 6 أشهر على فاجعة الفيضانات التي خطفت مقدّرات الناس وممتلكاتهم وأرواحهم، بيد أن السحنات التي ترصدها جريدة هسبريس على امتداد الأزقة القديمة تبدو متعبة ومحبطة وتفاجئُكَ في مُبتدئها بنظرات متصدّعة ويائسة.

الأشغال تستمر وتتكثّف، تتحرك فيها الآليات وأصحاب السترات الصفراء بديناميّة واضحة على امتداد الخط الفاصل بين الشارع الذي يطل عليه “قصر البحر” ومدخل المدينة العلوي، الواقع على ناصية “وادي الشعبة” الذي فاض وغمر المدينة، متآزراً مع السيول الجارفة المفاجئة التي أعقبت هطول أمطار غزيرة.

في صبيحة الجمعة 3 يوليوز الجاري، الهادئة إلا من زعيق النوارس، ترصد الأعين بجلاء كيف تحوّلت المحلات التجارية إلى ما يشبه الخراب، وإلى دكاكين موصدة تحمل مجرد “رقم” يعرّفها ضمن سجلاّت التعويض وإعادة التأهيل، أو إلى واجهة لتعليق عبارة “للبيع”، تنبعث منها روائح الأتربة المتطايرة.

يطلعنا حارس البنك في ساحة الاستقلال بأنه “لا جدوى من القيام بجولة في الفضاءات العتيقة”، فهي بنايات مؤجلة الوظيفة والدور إلى غاية انتهاء الأوراش التي انطلقت دون أن تغير شيئاً كثيراً في معنويات المكلومين والضّحايا وعائلاتهم؛ إنها، وفقه، “تدّخر جمرة عنيدة”، تفيد بأنّ الزمن الطبيعي لا يكفي لاستعادة ما أتلفته السيول التي دخلت على حين غرة من “باب الشعبة” يوم الأحد 14 ديسمبر 2025.

يوم الخميس 18 ديسمبر 2025، وتنفيذاً للتعليمات الملكية، أطلقت الحكومة برنامجاً لإعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضانات الاستثنائية؛ “تجسيداً للعناية الموصولة التي يوليها الملك محمد السادس للمواطنات والمواطنين في مختلف الظروف، ولا سيما في ما يتعلق بالوقوف إلى جانب المتضررين منهم، وتقديم كل أشكال الدعم والمساعدة لهم”، حسب ما جاء في بلاغ رسمي.

“استمرار البوار المعنوي”

بالصّدفة، وبعد نداء وُجِّه إلى تجار قيسارية الأحباس الأولى للحضور من أجل قياس الأبواب الزرقاء تمهيداً لتغييرها، التقت الجريدة بعبد العزيز (ج)، الذي قضى شقيقه الثلاثيني يوسف (ج) ليلة التساقطات الرعدية القوية التي شهدتها الحاضرة الساحلية؛ كان يتفقّد دكّاني والده وعمّه المتاخمين لبعضهما عند مدخل الفضاء التجاري المغلق، الذي يضمّ 28 دكاناً، 14 منها تقابل نظيراتها تماماً.

استغرب الرجل، الذي باعدته مهنته في البحار عن التجارة، “كيف خفتَ النقاش بشأن الملف”؛ يتحدث بأريحية وبدون مقدمات، وبلا استفسار عن هوية مخاطبه، وجهت إليه هسبريس سؤالاً حول واقع الناس بعد نصف سنة، وما تغيّر فيه لصالح معنويات جديدة… فتح الأمر، على ما يبدو، جرحاً لم تجتمع أطرافه بعد، انزوى إلى درج المسجد الصغير اللصيق بدكان والده، جلس وذرف الدّمع وقال: “الضياع.. والله يا أخي الضياع”.

غادر شقيقه الأصغر والأقرب إلى قلبه، يوسف، بائع الملابس التقليدية، إلى جانب 36 ممّن غرقوا في السيول الجارفة التي دفنتهم لاحقاً تحت التّراب؛ ترك خلفه طفلين صار محدّثنا يعيلهما ويتحمّل مسؤوليتهما، وتكاليف دراسة أحدهما. وهكذا، إذا كان “الموت قدراً إلهياً لا رادّ له” فإن تدبير ملف الضحايا يعدّ “قضية مصلحة” بالنسبة إلى الرجل، الذي شدد على “حماية الأرامل والأطفال كأولوية الأولويات”، بتعبيره.

يزيل قبعته وهو يطيل النظر إلى أرض مكتظة بالطين والتراب، يحك رأسه ويتنهد بقوة تستخرج الأنفاس من عمق الجرح، الذي يشتد “كلما عبّر الطّفل عن وحشته لأبيه”، وقال: “عندما نمرّ في مكان ما يستحضر والده الذي كان قريباً منه، ومنا كلنا؛ يحضر على لسانه في الطرق والأرصفة والشواطئ والأزقة”.

وزاد عبد العزيز: “أخشى على مستقبله، وعلى غد كافة أبناء الذين توفاهم الله جراء الفيضانات”، لأنهم ليسوا أرقاماً في معطيات رسمية، وإنما “عائلات باتت بلا سند وبلا معيل”، وفق قوله.

ويقلّب المتحدث اللّغة بهدوء، ويصرح مجدداً بأن “العمران سيعود، وسوف يتسوق الزوار والسكان؛ كما ستطرأ حركيّة أخرى، لكن مسؤولية الدولة قائمة لحماية الإنسان المتضرر بالقدر نفسه”، وزاد شارحاً: “حين أقول الإنسان فما يعنيني هو الأرملة وصغارها؛ ومن واجب السلطة أن تؤمّن لهم العناية لتفادي الشتات، أو الاضطرار إلى التسول أو القيام بأعمال لا تُستساغ على الإطلاق”.

الجريدة أثارت الانتباه إلى وجود برامج حكومية رسمية موجهة حصرياً إلى هذه الفئات، غير أن المصرح يذكر أن “مفعول هذه الإعانات الرسمية بقي معلقاً في حقّ المعنيين، رغم أن عددهم ليس كبيراً ولن تنجم عنه تعقيدات إداريّة ومسطريّة”، ملمحاً إلى إمكانية منح بعض الأطفال ضحايا الفيضانات صفة “مكفولي الأمة”، على غرار الذين تيتّموا وأضحوا بدون موارد عقب زلزال 8 شتنبر 2023.

ويتلقى المكلوم إسناداً من سائق سيارة الأجرة الستيني أحمد، الذي قرر، ابتداءً، وضع “الفصل الموضوعي بين زلزال دمر أقاليم بأكملها وفيضانات بقيت محصورة الأثر”، وتابع: “هذا قدر الله، لكن المتضررين على المدى البعيد يحتاجون إلى حلّ مغاير واستثنائي يتلاءم مع وضعهم الخاص”.

يسترجع السائق الذاكرة وهو يصعد من شارع إدريس بن ناصر نحو تقاطع شاعر محمد الخامس وشارع الحرية في مساء غائم، موردا: “كانت السيارة حينها بحوزة السائق الآخر (وفق التناوب)، وكنتُ بعيداً عن مناطق تدفق السيول، غير أن الأحزان كانت ضخمة”.

يلوح المتحدث كثيراً بيديه ليظهر “قوة المَحكي”، ويتابع: “السائق كان سيعلق داخل مياه متدفّقة كادت تجر العربة قبل أن يستطيع التحكم فيها”، وواصل: “الوضع اتسم بخطورة عالية، لكون المياه حين مرّت بقوة في شوارع المدينة القديمة جرفت معها سياراتٍ وأجساداً وممتلكات؛ وقد شوهد شخص يرتطم رأسه مباشرة بعمود صلب”.

ويعتبر المهني نفسه أن “انتظار عودة المدينة إلى توهجها، وما تقترحه على السياح، مازال قائماً بحدة لا يستهان بها”، مبرزاً أن “الحركية السياحية على مستوى المدينة الساحلية كانت أقوى قبل الفاجعة، أما اليوم فحتى الفنادق الصغيرة الموجودة فيها تخضع لإعادة التأهيل، والمتاجر التقليدية التي كانت تضفي نوعاً من الأناقة على مؤهلات هذه الحاضرة صارت بدورها معطّلة”.

وأردف السائق قائلاً: “هذا الواقع الحالي هو ما يجعل الشعور بالغبن سائداً رغم مرور شهور، فضلاً عن تنامي الإحساس بأن القضية أُقبرت في بعدها الإنساني الفعلي”، مشيراً إلى أن “الأشغال تسير، على ما يظهر، بطريقة اعتيادية وطبيعية ومتواصلة”، واسترسل: “الإصلاح الشامل يتطلب وقتاً، والتريث يؤرق الجميع”.

متغيرات متوترة

في صبيحة السبت 4 يوليوز تجلس عند برج المدينة المقابل لـ”قصر البحر” سيدة سبعينية قالت إن اسمها مباركة، تتحدث وعلامات طفح جلدي تطغى على وجهها، مستحضرة مشهد السيول الذي كان قريباً منها تلك الليلة، ومصرحة بأنه “مخيف، ومازال مستقراً في النفوس”، رغم مرور مدّة تعادل أزيد من نصف سنة شمسية كاملة.

وتعتبر مباركة أن المدينة تشكو هذا الصيف خصاصاً واضحاً في الزوار والسياح، بالنظر إلى ما كانت تشهده “عاصمة عبدة” من إقبال على منتجها التاريخي، وحتى ثروتها السمكية المتميزة بـ”السردين”، الذي تتصور السيدة أنه “حتى هو كيخلي المغاربة يجيو يطلو على المدينة”، الواقعة على المحيط الأطلسي.

تصرح السيدة ذاتها، التي تقف، وفق التقدير، في تقاطع بين الستينيات والسبعينيات من العمر، بأن “منظر الأشغال والحوانيت المغلقة يعد صعباً على من ألفوا المدينة في حيويتها خلال الصباحات والمساءات”، وتابعت: “هذا قدر الله، ونحن راضون به، ونشكر الملك والسلطات على عنايتهم الدائمة بنا، خصوصاً بعد المحنة التي مررنا بها بسبب الفيضانات”.

عند الابتعاد عن منطقة تمركز مباركة تتكشف أكثر ملامح سير المدينة وإيقاعاتها. في “المرسى” يحتشد البحارة والمهنيون والمستهلكون الباحثون عن طراوة الأسماك؛ وعند المخرج يتحرك قطيع من الكلاب الضالة بأريحية تامة، في حين يجمع بائع الكتب مؤلفاته المعروضة مستعجلاً كي “يلتحق بجنازة ما”. ولدى الصعود إلى جانب “طاجين آسفي” تصطدم بملامح نجت عملياً من السيول، لكنها تجرّ “جرح ما وقع”.

من الجهة الأخرى يكشف خالد بنعيسى، الكاتب المحلي للاتحاد العام للتجار والمهنيين بآسفي، لجريدة هسبريس، معطيات جديدة بخصوص وضعية الأشغال، مشيراً إلى أن “سلطات الداخلية على مستوى المدينة صرفت قبل عيد الأضحى منحة جديدة شملت 139 مستفيداً، تنضاف إلى الدفعتين السابقتين في إطار تنزيل محاور البرنامج الرامي إلى إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضان”، ومبرزاً أن “هذه الإعانة وجهت لمن لم يستفد سابقاً”.

وتفيد معطيات سبق للجريدة أن توصلت بها منتصف يناير الماضي بأن قيمة الدعم المقدّم للتجار تتراوح بين 15 ألف درهم و30 ألف درهم لكل تاجر، وذلك حسب حجم الخسائر المسجّلة ومساحة المحلات، وفق تقييم لجنة الإحصاء، ضمن عمل يتم بتنسيق مع السلطات.

وبينت تلك المعطيات وقتها أن التجار سيتكفلون “بإنجاز الإصلاحات داخل المحلات، على أن تتكفّل شركة العمران بالإصلاحات الخارجية المتعلّقة بالواجهة وصباغتها”. كما أكد بنعيسى هذه المرة استفادة التجار من دفعة ثانية سابقاً تتراوح بين 50 و100 ألف درهم، تهم استئناف الأنشطة الاقتصادية، أي شراء السلع وغيرها، بعد إنجاز عمليات الإصلاح.

أما الدفعة الجديدة التي يعلن بنعيسى حيثياتها فتتراوح قيمتها بين 5 آلاف و30 ألف درهم، مبرزاً أن “البعض استفاد من 5 آلاف درهم، وآخرون من 10 آلاف، أو 15 و20 ألفاً، ثم 30 ألف درهم بالنسبة إلى المحلات المطلة على الشارع الرئيسي”، موضحاً أن “المعايير وضعتها وزارة الداخلية، ممثلة في عمالة آسفي، وهي التي تكلفت بتحديد المنحة وكذا صرفها في آجال دقيقة ومضبوطة”.

تقاطعات الزمن والتأهيل

لدى سؤاله عن الوتيرة المسجلة بالنسبة للإصلاحات ذكر المهني أنها “تتعاطى مع الوضع على نحو شمولي”، وتابع: “أعيد إنجاز شبكة التطهير بالكامل، كما أُعيد تأهيل شبكة الماء الصالح للشرب، بالإضافة إلى وضع شبكة جديدة للتطهير تخص القيساريات”، مشيراً إلى أن “أشغال التزفيت (التوفنة) بدأت، كما انطلقت الأنشطة الخاصة بالطبقة الإسفلتية”.

وبخصوص استفسار الجريدة حول ما إذا كانت الدينامية المسجلة ميدانياً كافية لانتهاء العمل وفق الآجال المعلنة رد المتحدث بأن “المهم أنها جارية حالياً، وإن كانت تعرف أحياناً بعض التباطؤ، لتستأنف بعدها بشكل اعتيادي”، وزاد: “التدخلات انطلقت فعليا في نهاية شهر مارس ومدتها محددة في 6 أشهر”، منبهاً إلى أن “العامل تكلف بتمديد المعرض التضامني للتخفيف على التجار المستفيدين منه من عبء انتظار الإصلاح، والاستفادة من أنشطتهم الاقتصادية بالمعرض”.

وأقرّ الكاتب المحلي للاتحاد العام للتجار والمهنيين بالمدينة المنكوبة بأن “الوضعية الحالية أثرت حقاً في الحركية الاقتصادية، بالإضافة إلى تأثيرها على النشاط السياحي”، مسجلاً أن “المهنيين مع ذلك ينتظرون أن يُؤخذ برأيهم في ما يتعلق بالأرضية والواقيات الأمامية للمحلات”، وتابع: “عُرض نموذج للأرضية، لكنه قوبل بالرفض من طرف التجار ولجنة التتبع، كما رُفض النموذج المقترح بالنسبة للواقيات المذكورة”.

ومضى المهني شارحاً: “ننتظر اعتماد نموذج يكون في المستوى المطلوب، لأنه في شهر ماي جرى تقديم نموذج أولي قوبل بالرفض”، وواصل شارحاً: “نقصد بالواقي الأمامي ذلك الجزء الموجود أمام المحل؛ وكما تُظهر الصور القديمة فقد كان في السابق مصنوعاً من الخشب، ويتميز بمتانة مضاعفة، حتى إن المواطنين صعدوا فوقه أثناء الفيضان ولم يتعرض لأي ضرر”.

وبعدها، سيتعين، وفق المتحدث، استكمال الواجهات التي يتبقى منها حوالي 3 تنتظر تقرير المختبر، إما بترميمها أو هدمها وإعادة بنائها، فضلاً عن “درب حدادو” الذي يشمل بعض الحوانيت التي تعلوها منازل سكنية بواجهات هشة تنتظر قرار الهدم، خالصاً إلى أن “الترتيبات تسير وفق البرنامج المسطر، ولم يتبقَّ منه سوى بعض الأرامل اللائي لم يتوصلن بعد بالتعزية المخصصة لهن من طرف وزارة الداخلية”.

من الجانب الرسمي تعذر التواصل مع مصدر داخل مصالح وزارة الداخلية على مستوى العمالة، رغم محاولات عدة أعقبها تواصل مباشر عبر تطبيق “واتساب” دون رد. وتأتي هذه المحاولة في إطار حرص الجريدة على إتاحة الفرصة للمسؤولين لتقديم توضيحاتهم حول التدابير المتخذة، وضمان توفير المعطيات الرسمية الدقيقة التي ينتظرها المتضررون بفارغ الصبر.

وإلى هنا تتضح الصورة لهسبريس بأن مرور شهور لم يطفئ تماماً مفعول الأمطار الطوفانية التي مازالت تشكل “عصب الحياة اليومية” في مدينة آسفي. تتواصل الأعمال ميدانياً وتتوالى الدفعات مالياً، وصار “واد الشعبة” أخضر بالعشب والنبات، فيما يظل السؤال معلقاً: هل يكفي الطلاء الجديد والشكل المُحدَّث لمعالم المدينة لتغطية الندوب في أرواح من فقدوا أعزتهم؟ الجواب يوجد عند الساكنة حين تكون “عاصمة عبدة” في حلّتها المقبلة.

The post نصف عام على السيول .. آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress