نزيهة أحيذار: الكتابة كانت محاولتي لمصالحة الذات مع ذاكرتها

كاتبة «وجع النوارس» تتحدث عن الريف بوصفه بطلاً للرواية، وعن الكتابة باعتبارها مصالحة مع الذات، وتؤكد أن النص الحقيقي يتجاوز حدود التصنيفات الأدبية

تدخل الكاتبة المغربية نزيهة أحيذار المشهد الأدبي بروايتها الأولى «وجع النوارس»، وهي عمل يستلهم ذاكرة الريف ويعيد بناءها سردياً، عبر نص يمتزج فيه التخييل بالسيرة، ويتحول فيه المكان إلى شخصية فاعلة، والذاكرة إلى مادة للتأمل ومساءلة التاريخ.

 

في هذا الحوار مع «لكم»، تتحدث أحيذار عن سنوات الكتابة التي سبقت النشر، وعن علاقتها بالمكان والبحر والطفولة، ورؤيتها لدور الأدب في ترميم الذاكرة الفردية والجماعية. كما تشرح رمزية عنوان روايتها، وتتوقف عند حضور المرأة الريفية في الكتابة، وتكشف لماذا تميل إلى اعتبار «وجع النوارس» نصاً مفتوحاً أكثر منه رواية بالمعنى التقليدي.

 

من هي نزيهة أحيذار بعيداً عن التعريفات التقليدية؟ ومن هي المرأة التي سبقت الكاتبة؟

بداية، أتوجه بالشكر إلى هيئة تحرير موقع «لكم» على اهتمامها بالرواية وتقديمها إلى القراء بطريقة أنصفت روحها وعوالمها.

أما عني، فأنا امرأة ريفية نشأت في قرية تعيش على إيقاع البحر، تستيقظ على هدير أمواجه وتنام على صخب نوارسه. انقطعت عن الدراسة في سن مبكرة بعد حملة طرد طالت عدداً من التلاميذ في ثانوية إمزورن خلال ثمانينيات القرن الماضي، في سياق احتجاجات شهدها قطاع التعليم آنذاك. كان ذلك التحول بداية فراغ قاسٍ في مجتمع كانت المدرسة فيه تكاد تكون النافذة الوحيدة التي تطل منها الفتاة الريفية على العالم.

وسط تلك الظروف وجدت في القراءة ملاذاً حقيقياً. كانت الكتب تمنحني حرية لا توفرها الجغرافيا ولا الواقع الاجتماعي، وتأخذني إلى عوالم وتجارب إنسانية متنوعة أسهمت في توسيع مداركي وإشباع شغفي بالمعرفة.

ثم جاء الزواج، وبدأ فصل جديد من حياتي، كانت أجمل ثماره بناتي الثلاث: سارة وهاجر وأسماء، اللواتي أعتبرهن أعظم ما أنجزته في حياتي.

كتبتِ سنوات طويلة قبل النشر. لماذا تأخر ظهورك الأدبي؟ وهل كانت الكتابة غاية في ذاتها؟

كان الصمت بالنسبة إلي مرحلة للتأمل وترتيب ذلك الضجيج الداخلي الذي ظل يرافقني سنوات طويلة. خلال تلك الفترة كانت الأسئلة تتزاحم في داخلي: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟

مع الوقت أدركت أن الكتابة ليست مرتبطة بالنشر بقدر ما هي حاجة وجودية. كانت، إلى جانب القراءة، الوسيلة التي أبقتني على قيد الحياة بمعناها الرمزي. كلما تراكمت المشاعر والأسئلة وجدت نفسي أكتب، لا رغبة في الظهور، بل لأن الكتابة كانت المتنفس الوحيد القادر على استيعاب ذلك الفيض الداخلي.

أما تأخر النشر فكانت وراءه أسباب متعددة، من بينها غياب بيئة ثقافية حاضنة للمواهب الجديدة في الريف، وضعف فرص التوجيه والدعم. كما كنت مؤمنة بأن النشر مسؤولية، وأن مواجهة القارئ تقتضي تقديم عمل ناضج يحمل قيمة أدبية وإنسانية حقيقية.

لذلك ظل النشر بالنسبة إلي حلماً مؤجلاً إلى أن شعرت بأن ما كتبته أصبح قادراً على أن يرى النور.

لماذا «وجع النوارس»؟ وما الذي تختزنه هذه الثنائية من رمزية داخل النص؟

قد يبدو العنوان بسيطاً، لكنه يحمل مفاتيح الرواية كلها. فالنص قائم على ثنائيات متجاورة: الأمل والألم، الحياة والموت، الفرح والحزن، الحضور والغياب.

تدور الرواية في فضاء مفتوح على البحر، حيث تشكل النوارس جزءاً من الذاكرة اليومية للمكان. لم تكن بالنسبة إلي مجرد طيور بحرية، بل شاهداً دائماً على تحولات القرية وأحلام أهلها ومخاوفهم. كانت تراقب البحر والصيادين والعابرين، وتبدو أحياناً وكأنها تشارك الإنسان الريفي إحساسه الدائم بالترقب وانتظار المجهول.

أما «الوجع» فيحيل إلى ما يرافق الإنسان من اغتراب وحنين وخيبات وانكسارات. إنه وجع الذاكرة، ووجع الأحلام حين تصطدم بصلابة الواقع، ووجع الرحيل الذي لا ينجح أبداً في اقتلاع جذور الانتماء.

من هنا أصبح الوجع والنوارس صورتين متلازمتين تختزلان تجربة الإنسان الريفي المعلق بين واقع مثقل بالإكراهات وأفق مفتوح على الاحتمالات. إنهما، في جوهرهما، رمزان للحلم الدائم بالحرية مهما كانت كلفته.

تنحدرين من منطقة السواني على خليج الحسيمة. إلى أي حد تحول المكان إلى بطل في كتابتك؟

أؤمن بأن المكان في الرواية ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو أحد صناعها الأساسيين. لذلك لم أتعامل معه باعتباره إطاراً جغرافياً محايداً، بل كائناً حياً يحمل ذاكرته الخاصة ويتفاعل مع الشخصيات والوقائع.

في «وجع النوارس» كان المكان حاضراً بكل تفاصيله: البحر، الجبال، الحقول، البيوت القديمة، أصوات الفلاحين، وأغاني «إزران» التي شكلت جزءاً من الذاكرة الثقافية للريف. كل هذه العناصر لم تكن ديكوراً سردياً، بل مكونات أساسية في بناء العالم الروائي.

لقد حاولت أن أجعل المكان يتكلم، وأن يستعيد ما يختزنه من حكايات وتحولات، لأنني أرى أن الأمكنة تحتفظ بذاكرة لا تقل أهمية عن ذاكرة البشر.

وصف الروائي والناقد عبد القادر الشاوي الرواية بأنها تستحضر «الألم الجغرافي». كيف استقبلتِ هذه القراءة؟

كانت مفاجأة جميلة أن تصل الرواية إلى الأستاذ عبد القادر الشاوي، وهو اسم أدبي ونقدي أكن له كثيراً من الاحترام. كنت على يقين أنه سيقرأ النص بعين الناقد لا بعين المجاملة، ولذلك كنت مستعدة لتقبل حكمه كيفما كان.

حين قرأت تقديمه للرواية شعرت بأن النص وجد قارئاً التقط جوهره العميق. فقد رأيت في تعبير «الألم الجغرافي» وصفاً مكثفاً ودقيقاً لعالم الرواية، لأن المكان فيها ليس مجرد فضاء للأحداث، بل ذاكرة جماعية مثقلة بالتحولات والانكسارات والأسئلة المؤجلة.

كنت واعية بهذا البعد منذ البداية، لأن الرواية تنطلق من قناعة بأن بعض الوقائع التي عاشها الريف ما تزال بحاجة إلى استعادة وتأمل ومساءلة. لذلك يمكن النظر إلى العمل بوصفه محاولة لاستعادة الذاكرة وإنصاف المكان وإعادة الاعتبار لما ظل مهمشاً أو مسكوتاً عنه.

وأؤمن بأن الأدب يمتلك قدرة خاصة على إضاءة المناطق المعتمة في التاريخ، وفتح آفاق جديدة للفهم والتأمل، بعيداً عن النسيان أو الاختزال.

كيف استقبلتِ التفاعل الكبير الذي سبق صدور «وجع النوارس»، وهو تفاعل وصفه كثيرون بالاستثنائي بالنسبة لعمل أول؟

أسعدني كثيراً ذلك التفاعل، وشعرت بامتنان عميق لكل من احتفى بالرواية قبل صدورها. لكن هذا الاهتمام حملني في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، لأن ارتفاع سقف التوقعات يجعل الكاتب أكثر حرصاً على أن يكون عمله في مستوى ثقة القراء.

وأؤمن بأن القيمة الحقيقية لأي كتاب لا يصنعها الضجيج الذي يسبق صدوره، وإنما لحظة القراءة نفسها، حين يلتقي النص بقارئه ويمنحه معنى خاصاً. لذلك أتمنى أن يجد كل قارئ بين صفحات «وجع النوارس» فكرة أو شعوراً أو سؤالاً يخصه، وأن يخرج منها بأثر يبقى بعد انتهاء القراءة.

لماذا، برأيك، حظي خبر صدور الرواية بهذا التفاعل داخل الريف وفي أوساط الجالية المغربية بالخارج؟

أعتقد أن الأمر يعود إلى أكثر من سبب. أولها ندرة الأصوات النسائية التي خاضت تجربة الكتابة الروائية في الريف، حيث ما تزال المرأة تواجه تحديات اجتماعية وثقافية كلما اختارت أن تجعل من الكتابة مشروعاً للحياة.

فالكتابة، بالنسبة إلى المرأة في مثل هذه البيئات، ليست هواية، بل فعل يحتاج إلى قدر كبير من الصبر والإصرار، لأنها كثيراً ما تعني الخروج عن المألوف، ومساءلة المسكوت عنه، وانتزاع وقت للإبداع وسط مسؤوليات الحياة اليومية.

ومن جهة أخرى، أظن أن عنوان الرواية نفسه أسهم في إثارة فضول القراء. فـ«وجع النوارس» يحمل حمولة وجدانية تستدعي الذاكرة والحنين والفقد، وهي مشاعر يتقاسمها كثير من أبناء الريف داخل الوطن وخارجه. لذلك شعر عدد كبير منهم بأن الرواية تلامس جانباً من ذاكرتهم الشخصية والجماعية، وكأنها لا تروي حكاية فرد، بل تستعيد شيئاً من سيرة جيل كامل.

هل يعكس هذا الاهتمام تعطشاً إلى الأدب الجاد، أم حاجة أبناء الريف إلى رؤية ذواتهم داخل النص الأدبي؟

في تقديري، يجتمع العاملان معاً.

فمن جهة، هناك رغبة متزايدة في قراءة أدب يتجاوز التسلية السريعة، ويطرح أسئلة عميقة حول الإنسان والذاكرة والهوية. وأعتقد أن القارئ اليوم أصبح أكثر ميلاً إلى النصوص التي تحترم وعيه وتدعوه إلى التفكير.

ومن جهة أخرى، يشعر كثير من أبناء الريف بحاجة إلى رؤية ذواتهم وتجاربهم ممثلة في الأدب، بعيداً عن الصور النمطية أو الحضور الهامشي. فالكتابة ليست مجرد حكاية، بل هي أيضاً اعتراف بالذاكرة الجماعية وإعادة اعتبار لتجارب إنسانية ظلت طويلاً خارج المتن السردي العربي.

لهذا أرى أن التفاعل مع الرواية مرتبط أيضاً باستعادتها محطات مفصلية من تاريخ الريف الحديث، وهي أحداث ما تزال آثارها حاضرة في الوعي الجمعي، وتشكل جزءاً من هوية المنطقة وسرديتها الإنسانية.

إلى أي حد تحضر سيرتك الذاتية في «وجع النوارس»؟ وأين تبدأ حدود التخييل؟

تحضر سيرتي الذاتية في الرواية بدرجات متفاوتة، من خلال بعض المشاعر والتجارب والأسئلة التي عشتها، كما تستلهم شخصيات وأحداثاً من واقع عرفته عن قرب. لكن النص لا يقف عند حدود السيرة الشخصية.

فالتخييل يؤدي دوراً أساسياً في بناء الرواية، لأنه يعيد تشكيل الواقع ويمنحه بعداً فنياً أوسع. هناك وقائع استلهمتها من الحياة، لكنها لم تُنقل كما حدثت، بل أُعيدت صياغتها بما يخدم البناء السردي ويمنح الشخصيات والأحداث انسجاماً أكبر.

لهذا يصعب الفصل بدقة بين ما هو ذاتي وما هو متخيل، لأنهما يتداخلان باستمرار. فالتجربة تمنح النص صدقه الإنساني، بينما يمنحه التخييل حريته الفنية.

للأب والأم والطفولة والبحر حضور لافت في الرواية. ماذا تمثل هذه العناصر في مشروعك الأدبي؟

لم يكن حضور هذه العناصر قراراً فنياً مسبقاً، بل فرضته الذاكرة نفسها. هناك موضوعات لا يختارها الكاتب، بل تختاره، وتظل تقيم في وجدانه حتى تصبح جزءاً من صوته الإبداعي.

الأب والأم يمثلان بالنسبة إلي الذاكرة الأولى والجذر الأخلاقي والوجداني للإنسان. حضورهما يتجاوز حدود الشخصيات داخل النص، لأنهما يظلان مصدر الدفء والمعنى، حتى في الغياب.

أما الطفولة فهي الوطن الأول الذي لا نغادره أبداً. منها تتشكل دهشتنا الأولى، وأحلامنا، ومخاوفنا، ومنها تنبع كثير من الأسئلة التي ترافقنا في الحياة. لذلك كثيراً ما أجد نفسي أكتب عن الطفلة التي ما تزال تسكن داخلي.

ويبقى البحر أكثر من مجرد مكان. إنه شاهد على تفاصيل العمر، ورفيق دائم للقرية وأهلها، ورمز للأمل والحرية والمجهول في الوقت نفسه. لذلك ظل حاضراً في «وجع النوارس» بوصفه عنصراً مؤسساً للرؤية الروائية، لا مجرد فضاء تدور فيه الأحداث.

تبدو لغتك مشبعة بالنَّفَس الشعري رغم البناء السردي. هل كان ذلك اختياراً جمالياً واعياً؟

أعتقد أن هذا النَّفَس الشعري امتداد طبيعي لعلاقتي القديمة بالشعر، الذي أسهم في تشكيل ذائقتي الأدبية وصقل إحساسي باللغة. لطالما استهوتني الصورة البلاغية والإيحاء والموسيقى الخفية للكلمات، لأنها تمنح اللغة قدرة أكبر على ملامسة الوجدان والتعبير عما يعجز عنه القول المباشر.

ومع ذلك، لم يكن هدفي أن أكتب رواية متوشحة بالشعر من أجل الزخرفة اللغوية، بل كنت حريصة على أن تظل اللغة في خدمة السرد والشخصيات. لذلك جاء هذا البعد الشعري عفوياً أكثر منه مقصوداً، نابعاً من رؤيتي للكتابة ومن إيماني بأن الجمال اللغوي لا يكتسب قيمته إلا حين يكون ضرورة فنية.

فالرواية، في نظري، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى خلق تجربة شعورية متكاملة، يكون فيها للكلمة إيقاعها، وللصورة أثرها، دون أن تطغى اللغة على الحكاية أو تصرف القارئ عنها.

هل تعتبرين «وجع النوارس» رواية، أم نصاً مفتوحاً يتجاوز التصنيفات الأدبية؟

أميل إلى اعتباره نصاً مفتوحاً أكثر منه رواية بالمعنى التقليدي، لأنني لم أسع إلى الالتزام الصارم بالقوالب السردية المألوفة، بل حاولت أن أكتب وفق ما تفرضه التجربة نفسها.

في «وجع النوارس» شيء من التمرد الهادئ على الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية. فقد يستعير النص من الرواية، ومن الشعر، ومن السيرة، ومن التأمل، ما يساعده على التعبير عن رؤيته، من دون أن يفقد وحدته الفنية.

لهذا لا يشغلني كثيراً الاسم الذي يُطلق على العمل، بقدر ما يعنيني أن ينجح في ملامسة القارئ، وإثارة أسئلته، وترك أثر يبقى في الذاكرة بعد الانتهاء من قراءته.

هل كنتِ تكتبين للقارئ، أم كنتِ تكتبين أولاً لمصالحة الذات مع ذاكرتها؟

في البداية، لم يكن النشر يشغلني، ولم أكن أفكر في القارئ بقدر ما كنت أنصت إلى صوت داخلي يدفعني إلى الكتابة. كانت الكتابة بالنسبة إلي محاولة لمصالحة الذات مع ذاكرتها، ووسيلة لفهم التجارب التي مررت بها وإعادة تأملها ومنحها معنى جديداً.

كنت أكتب لأخفف وطأة الذاكرة، ولأحول التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية قابلة للمشاركة. وأؤمن بأن أكثر التجارب خصوصية قد تكون، في جوهرها، أكثرها قدرة على ملامسة الآخرين.

وحين اكتمل النص، أدركت أن القارئ لم يكن غائباً تماماً، بل جاء بوصفه شريكاً في إعادة اكتشاف المعنى. فالكتابة التي تبدأ من الذات تستطيع، إذا صدقت، أن تتجاوز حدود الفرد لتصل إلى الإنسان أينما كان، لأن الحنين والخوف والأمل والفقد مشاعر نتقاسمها جميعاً.

تؤكدين أن الأدب يرمم الذاكرة قبل أن يسائل الواقع. كيف تفهمين هذا الدور؟

أؤمن بأن الأدب يمتلك قدرة استثنائية على ترميم الذاكرة الفردية والجماعية، وأن وظيفته لا تقتصر على مساءلة الواقع أو تسجيل الوقائع.

فالتاريخ يوثق ما حدث، أما الأدب فيحفظ أثر ما حدث في الإنسان. إنه يصون الذاكرة الشعبية، ويحفظ اللغة والعادات والحكايات والتفاصيل اليومية التي كثيراً ما تغيب عن السرد التاريخي، رغم أنها تشكل جوهر هوية المجتمعات.

وعلى المستوى الفردي، تمنح الكتابة الإنسان فرصة لإعادة ترتيب ذاكرته وتأويل تجاربه، فيتحول الألم إلى وعي، وتتحول الجراح إلى معنى. أما على المستوى الجماعي، فهي تحمي الذاكرة من النسيان، وتمنح الإنسان العادي مكانه داخل السردية الكبرى للمجتمع.

لهذا أرى أن الأدب لا ينافس التاريخ، بل يكمله. فالتاريخ يجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ بينما يسأل الأدب: كيف عاش الإنسان ما حدث؟ وبين هذين السؤالين تتشكل الذاكرة ويولد المعنى.

ما الذي تخشاه الكاتبة أكثر: لحظة الكتابة أم لحظة مواجهة القراء؟

لا أخشى الكتابة في ذاتها، وإن كانت مرهقة نفسياً في كثير من الأحيان. فالكتابة رحلة داخل الذات، أواجه فيها أسئلتي ومخاوفي وهواجسي، لكنها تمنحني في النهاية شعوراً بالتحرر، وكأنني تخلصت من حمل ظل يثقل روحي.

أما ما يثير رهبة حقيقية فهو لحظة خروج النص من عالمي الخاص إلى أيدي القراء. عندها تبدأ الأسئلة: كيف سيتلقونه؟ وهل سيصل إليهم ما أردت قوله؟ وهل سيجدون في الرواية ما يلامسهم؟

أدرك أن إرضاء جميع القراء مستحيل، وأن لكل قارئ ذائقته الخاصة، لكن رهبة التجربة الأولى تبقى حاضرة. ومع ذلك، أنظر إلى آراء القراء والنقاد باعتبارها فرصة للتعلم وتطوير أدواتي، لأنها جزء أساسي من رحلة أي كاتب.

هل تعتقدين أن الريف لم يحضر بعد في الأدب العربي بالحجم الذي يليق بثرائه الإنساني والتاريخي؟

لا شك أن الريف يختزن ثراءً إنسانياً وتاريخياً كبيراً، بما يزخر به من ذاكرة جماعية وحكايات وتحولات اجتماعية وثقافية تجعله مادة أدبية غنية. ومع ذلك، لم يحظ هذا الإرث بالاهتمام الذي يستحقه، سواء بسبب التهميش الذي عرفته المنطقة على مستويات متعددة، أو نتيجة ضعف البنية الثقافية القادرة على احتضان المبدعين وتشجيعهم.

فالريف ما يزال في حاجة إلى مكتبات وفضاءات للقراءة ومؤسسات للنشر والتكوين، لأن الإبداع لا ينمو في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة ثقافية داعمة.

ورغم ذلك، أؤمن بأن الريف يمتلك كل المقومات التي تؤهله لحضور أقوى في الأدب العربي، متى توفرت الظروف التي تسمح لأبنائه بتحويل ذاكرتهم وتجاربهم إلى أعمال إبداعية. فالريف لا تنقصه الحكايات، وإنما يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي ترويها.

هل يمكن أن يشكل صدور «وجع النوارس» بداية لتجربة أدبية جديدة في الريف؟

أتمنى ذلك بكل صدق، وأن تكون «وجع النوارس» أكثر من مجرد إصدار أدبي، بل نافذة تفتح في جدار الصمت الثقافي، ورسالة تؤكد أن الريف، بما يحمله من ذاكرة وإنسان وحكايات، قادر على أن يفرض حضوره في المشهد الأدبي.

لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن أي تحول ثقافي لا يصنعه كتاب واحد. فالمشهد الأدبي يبنى بالتراكم، وتعدد التجارب، واستمرار الإيمان بالكتابة بوصفها فعلاً حضارياً ومقاومة للنسيان.

إذا استطاعت هذه الرواية أن تمنح شاباً أو شابة الثقة في خوض تجربة الكتابة، فسأعتبر أنها حققت جانباً مهماً من رسالتها. فكل كتاب يولد من هذه الأرض هو شهادة على وجودها، وإسهام في حفظ ذاكرتها وفتح الطريق أمام أجيال جديدة من المبدعين.

ماذا تقولين للشباب، ولا سيما الشابات، اللواتي يكتبن في صمت ويخشين نشر نصوصهن؟

أقول لهن: لا تتوقفن عن الكتابة. اكتبن لأن الكتابة ليست ترفاً، بل وسيلة لفهم الذات، ومصالحة الروح، وحفظ ما قد يضيع من المشاعر والذكريات.

لا تنتظرن الكمال قبل النشر، فليس هناك كاتب يولد مكتمل الأدوات. كل تجربة تبدأ بخطوة أولى، وكل كتاب كان يوماً مجرد صفحات مترددة في درج مغلق.

وأقول للشابات خصوصاً: لا تستهِنَّ بأصواتكن ولا بتجاربكن. فالأدب الحقيقي يولد من الصدق، لا من الضجيج، ومن التفاصيل الصغيرة التي نصادفها كل يوم. ربما تكون كلماتكن اليوم همساً، لكنها قد تصبح غداً صوتاً يمنح أخريات الشجاعة على الكتابة.

ثقن بأنفسكن، واقرأن كثيراً، وتقبلن النقد بوصفه فرصة للتطور، فالكلمة الصادقة تجد طريقها إلى القلوب، ولو بعد حين.

بعد أن أصبح «وجع النوارس» بين يدي القارئ، ماذا تتمنين أن يجد فيه؟ وماذا تتمنين أن يبقى معه بعد الصفحة الأخيرة؟

أتمنى أن يجد كل قارئ بين دفتي الكتاب شيئاً من نفسه؛ شعوراً عاشه، أو سؤالاً حمله، أو ذكرى تشبه شيئاً من رحلته الخاصة. فالكتب الحقيقية لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُلامس الروح، وتترك أثراً يتجاوز لحظة القراءة.

أما ما أرجو أن يبقى بعد الصفحة الأخيرة، فهو الأمل. ذلك الأمل الذي يظل قادراً على إضاءة أكثر اللحظات عتمة، ويمنح الإنسان القوة على مواصلة الطريق مهما اشتدت الصعاب.

أتمنى أن يخرج القارئ من الرواية وهو أكثر إيماناً بأن وراء كل محنة معنى، ووراء كل نهاية بداية جديدة، وأن الأحلام تستحق أن نحافظ عليها مهما قست الظروف.

أخيراً، هل يمثل «وجع النوارس» بداية مشروع أدبي طويل؟

لا أعرف ما الذي تخبئه الأيام، لكنني أتمنى أن يكون «وجع النوارس» بداية رحلة لا تنتهي مع الكتابة، وأن يفتح أمامي أفقاً أواصل من خلاله البحث عن الإنسان، والذاكرة، والجمال.

لقد كان هذا العمل بالنسبة إلي أكثر من رواية؛ كان صوتاً داخلياً وجد طريقه إلى الورق، وحاملاً لشيء من الذاكرة والأسئلة التي رافقتني سنوات طويلة.

إذا كان لهذه الرواية أن تمنحني شيئاً، فأرجو أن تمنحني القدرة على الاستمرار، وأن تظل الكلمة رفيقة هذه الرحلة. فالشغف هو البوصلة التي تقود الكاتب، وكل بداية صادقة تحمل في داخلها وعداً بمواصلة السير.

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم