نزوح الذاكرة... عبد المجيد زراقط يخسر منزلين ومكتبة عمرها عقود

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حين عاد الدكتور عبد المجيد زراقط إلى قريته مركبا في جنوب لبنان بعد إحدى موجات النزوح التي فرضتها الحروب المتعاقبة على الجنوب، كان يظن أنه يستعيد جزءاً من حياته. شيّد منزلاً وسط بستان واسع، ونقل إليه قسماً كبيراً من مكتبته التي جمعها على مدى عقود، مؤمناً بأن القرية التي عاد إليها بعد سنوات التهجير تستحق أن تستعيد ذاكرتها معه. لكن الحرب عادت من جديد، ولم تكتفِ هذه المرة بمنزل واحد.

 

خلال العدوان، خسر زراقط منزليه معاً: منزله في مركبا ومنزله في الضاحية الجنوبية لبيروت. سقط الحجر، لكن ما يؤلمه أكثر هو ما كان بين الجدران. فقد كانت مكتبته موزعة بين المكانين، وتضم أكثر من عشرين ألف كتاب ومجلد ومخطوطة ووثيقة نادرة جمعها منذ أيام الدراسة وحتى مسيرته الأكاديمية والأدبية الطويلة.

 

 

كان خارج البلاد عندما دُمّر منزله في الضاحية. من هناك، تابع الأخبار فيما حاولت ابنته إنقاذ ما أمكن من الكتب. لم ينجُ سوى عدد قليل. أما في مركبا، فلم ينجُ شيء تقريباً. تحت الركام ضاعت أعداد نادرة من مجلتي "العرفان" و"الهلال"، ومخطوطات قديمة، وأبحاث ووثائق أمضى سنوات طويلة في جمعها وحفظها.

 

لكن المشهد الأكثر وجعاً كان يوم عاد إلى منزله المدمر في مركبا. لم يحتج إلى مفتاح، البوابة نفسها لم تعد موجودة. سار بين الزجاج المحطم وقطع الإسمنت المتناثرة، محاولاً الوصول إلى غرفة مكتبته. هناك وجد الكتب ممزقة ومبعثرة تحت الركام. وبين الأوراق المتطايرة التقط صفحة قديمة من قصة كتبها وهو تلميذ، كان أستاذه قد خط عليها قبل عقود عبارة: "سيكون لك شأن". احتفظ بالورقة كأنها الناجي الأخير من ذاكرة كاملة.

 

لا يتحدث زراقط عن خسارة منزلين فحسب، بل عن اقتلاع أرشيف حياة. فالحرب لا تهدم الجدران فقط، بل تمحو أحياناً ما هو أثمن: الذاكرة التي جمعها الإنسان كتاباً كتاباً، وورقة ورقة، على امتداد عمر كامل.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية