ندوة دولية تضع خارطة طريق مدن أكثر مرونة واستدامة بقارة إفريقيا

ألقَت ندوة دولية رفيعة المستوى، منظمة في اليوم الأول من فعاليات الجمع العام السنوي الخامس والأربعين لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا” (ShafDB)، أضواءَ كاشفة على “تمويل التنمية الحضرية الشاملة والخضراء والمرنة”، مع استحضار تجارب دولية ملهمة أبرزها التجربة اليابانية في قطاع البناء، وكذا صندوق التضامن للسكن والاندماج الحضري بالمغرب.

الندوة، التي تابعتها هسبريس، غاصت في التحديات الديموغرافية والهيكلية الهائلة التي تواجهها القارة، حيث تشير أحدث التوقعات الإستراتيجية إلى أن “إفريقيا ستشهد بحلول عام 2050 أعلى معدلات النمو الحضري عالمياً”، في تطور يضع الحكومات مع واضعي السياسات أمام تحدٍّ مزدوج يكمن في كيفية بناء مساكن أكثر وبجودة أفضل لملايين الوافدين سنوياً إلى الفضاءات الحضرية؛ ما يتطلب “حلولاً عملية تتجاوز مجرد رصد العجز التجاري أو المالي”، حسب خلاصات اللقاء، مساء أمس الثلاثاء.

“المباني الخضراء”

شددت النقاشات على “الأهمية الاقتصادية والبيئية الكبيرة للمباني الخضراء”، إذ استعرض الخبراء دور برنامج المباني الخضراء التابع لمؤسسة التمويل الدولية (IFC) وأداة الاعتماد الرقمية المبسطة “EDGE” التي ساهمت في “منح شهادات لأكثر من 130 مليون متر مربع عالمياً وتعبئة 20 مليار دولار من التمويل الأخضر”.

وأبرزت المداولات ذاتها، في عروض تعاقَبَ على إلقائها مسؤولون مغاربة وأجانب، “تجربة جنوب إفريقيا الناجحة التي حققت حصة سوقية بلغت 20 بالمائة في القطاع السكني من خلال إطلاق أول تمويل عقاري أخضر يمنح المشترين أسعار فائدة منخفضة للشقق المعتمدة”، ما يعكس “أهمية تعبير هذه الآليات عن حلول ملموسة لخفض كلفة الاستهلاك، وتوليد وفر مالي للعائلات ذات الدخل المحدود يعادل أجرة شهر كامل من الكراء، ولا سيما أن إفريقيا لا تصل إليها حالياً سوى نسبة ضئيلة تتراوح بين 3% و4% من التمويل المناخي العالمي”.

تضامن ومرونة

في سياق استعراض النماذج الإقليمية المتكاملة حظيت التجربة المغربية باهتمام بالغ كنموذج “مُلهم” في توظيف الاستثمار العمومي كحافز للتنمية المستدامة والشراكة بين القطاعين العام والخاص، ما أبرزه -على الخصوص- عرضٌ رسمي للكاتب العام لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، يوسف حسني، الذي شرَحَ المقاربة المبتكرة للمملكة القائمة على إنشاء “الصندوق التضامني للسكن والإدماج الحضري” (FSHIU) منذ عام 2002، الذي يتم تمويله من الرسوم المفروضة على مواد البناء الأساسية كالإسمنت و”حديد التسليح”.

وتسمح هذه الآلية بإعادة تخصيص “القيمة المحققة لدعم الفئات الاجتماعية ومحاربة السكن غير اللائق”، ما أسفر عن إعلان 62 مدينة مغربية بدون صفيح منذ عام 2004، فضلاً عن تسهيل الاستثمار وعصرنة القطاع عبر الرقمنة الشاملة من خلال منصات مثل “دعم سكن” و”رخص” و”تعمير”، وتوفير آليات ضمان حكومية مبتكرة مثل منظومة “ضمان السكن” لتسهيل ولوج الأسر للتمويل البنكي وتخفيف الأعباء المالية، حسب ما أبرزه المسؤول عينه.

من جهة أخرى أغنت الخبرة اليابانية النقاشات الحضرية بتقديم رؤية علمية لتعزيز قدرة المدن على الصمود، حيث بسَطَ الدكتور ساواتشي تاكاو (SAWACHI Takao)، مستشار تنفيذي بمركز البناء الياباني (The Building Center of Japan) المنهجية التدرجية التي اتبعتها بلاده لتطوير معايير البناء منذ عام 1950 لمواجهة الكوارث الطبيعية وتوفير مساكن مؤقتة تعتمد على هياكل حديدية متينة.

وأكدت المداخلة اليابانية على “ضرورة ترتيب الأولويات في المدن الإفريقية لبناء المرونة”، بدءاً من تقديم الإغاثة والتوثيق العلمي والتحليلي للكوارث لمنع تكرارها، وصولاً إلى تأهيل الموارد البشرية من مهندسين ومسؤولين حكوميين، مع اعتماد تقنيات متطورة للتهوية ومواد عزل مبتكرة وحلول طاقة متجددة تتلاءم مع المناخات الإفريقية وأنماط العيش المحلية، تماشياً مع أهداف اتفاق باريس للمناخ.

ثلاث توصيات

اختتمت الندوة بتقديم ثلاث توصيات إستراتيجية وملموسة للسنوات الخمس المقبلة، لتحقيق التحول الشامل في قطاع السكن الإفريقي وتحويل النمو الحضري إلى ازدهار مشترك.

التوصية الأولى هي الدعوة إلى إنشاء “صندوق السكن الأخضر الإفريقي” تحت رعاية بنك “شيلتر إفريقيا” لضمان تمويل طويل الأجل، تلتها التوصية الثانية بضرورة “توحيد معايير المباني الخضراء الإفريقية بناءً على نماذج مبسطة ومكيفة مع المناخ المحلي لإنهاء فوضى الشهادات الدولية المكلفة”؛ بينما ركزت التوصية الثالثة على توسيع نطاق سلاسل التوريد المحلية للمواد المستدامة وذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة، مثل الآجر المثبت، والإسمنت منخفض الكربون، والأخشاب المعتمدة، والنباتات العازلة، لضمان بناء مدن صامدة تكفل الكرامة والأمان لشعوب القارة.

في تصريح لجريدة هسبريس أوضح محمد غامبو، رئيس بحوث السياسات والشراكات في بنك التنمية ‘شيلتر-أفريك’، والمنسق العام للندوة المصاحبة المُنظمة كجزء من فعاليات الجمع العام السنوي الخامس والأربعين، أن “الجوهر الحقيقي من هذا اللقاء يتمثل في مناقشة المحاور والمواضيع الرئيسية المرتبطة بالاستدامة والقدرة على الصمود وتوفير السكن الشامل في المدن الإفريقية”، مشيراً إلى أن الندوة تميزت بمشاركة واسعة لمتحدثين وخبراء بارزين من داخل إفريقيا ومن مختلف أنحاء العالم.

وأكد غامبو في حديثه على هامش الندوة أن “النطاق الكامل والأعمّ لهذه النقاشات يرتكز بالأساس على تعزيز آليات التعاون وبناء الشراكات المتينة وتبادل الدروس المستفادة”.

واختتم منسق الندوة بالإشارة إلى أن هذا التوجه يقع في صلب التفويض والمهام الإستراتيجية لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا”، معبراً عن “التطلع إلى تعميق أواصر العمل المشترك والشراكات الفاعلة عبر المدن الإفريقية لتبادل التجارب والدروس والمبادرات المبتكرة”، مع الحرص على تطويرها وتوسيع نطاقها وتكرار تطبيقها بنجاح عبر القارة الإفريقية وعلى الصعيد العالمي.

The post ندوة دولية تضع خارطة طريق مدن أكثر مرونة واستدامة بقارة إفريقيا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress