ندوة تناقش مصير المراكز الاستشفائية
نظّمت جمعية أخصائيي إعادة التأهيل ابن رشد، بشراكة مع النقابة الوطنية للصحة العمومية، الأربعاء بالدار البيضاء، ندوة حول موضوع: “مستقبل المراكز الاستشفائية الجامعية في ظل التحولات الهيكلية وتنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية”، وذلك بحضور عدد من المهنيين والمهتمين بالشأن الصحي والنقابي.
وشكّل اللقاء مناسبة لفتح نقاش حول أحد أبرز أوراش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، في ظل ما يطرحه إحداث المجموعات الصحية الترابية من إشكالات قانونية ومؤسساتية واجتماعية، خاصة ما يتعلق بمستقبل المراكز الاستشفائية الجامعية، وموقعها داخل التنظيم الصحي الجهوي الجديد، وضمان استمرار أدوارها في العلاج التخصصي والتكوين والبحث والابتكار.

كريم بالمقدم، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة العمومية، قال في مداخلة له إن النقاش حول مستقبل المراكز الاستشفائية الجامعية لا ينبغي أن يُبنى على فرضية إلغائها أو تراجع دورها، ولكن على طبيعة التحول المؤسساتي الذي تعرفه المنظومة الصحية، معتبرا أن المراكز قد لا تستمر الشخصية القانونية المستقلة نفسها، لكنها ستظل نواة جامعية مرجعية داخل المجموعات الصحية الترابية، مع الحفاظ على وظائفها الأساسية في العلاج عالي التخصص والتكوين والبحث.
وأوضح بالمقدم أن القانون رقم 08.22 أحدث مجموعات صحية ترابية على مستوى الجهات، باعتبارها مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تضم مختلف المؤسسات الصحية داخل النفوذ الترابي، وتُسند إليها مهام التخطيط الصحي الجهوي، وتنظيم مسار العلاج، والتكوين، والبحث، وتقييم الأداء.
وذكر المتدخل أن جوهر هذا الإصلاح يقوم على الانتقال من منطق المؤسسات المعزولة إلى منظومة جهوية مندمجة، تجمع بين المستشفيات الجامعية والجهوية والإقليمية ومؤسسات القرب، إضافة إلى الموارد البشرية والميزانية والأنظمة المعلوماتية، مشددا على أن نجاح هذا التحول يظل مشروطا بتقوية المستشفى العمومي وضمان الحق في الصحة وتحسين الولوج للعلاج.
وأشار المصدر ذاته إلى أن هذا التحول سيترتب عنه أثر قانوني مهم، حيث ستحل المجموعات الصحية الترابية محل الدولة والمراكز الاستشفائية الجامعية في عدد من الالتزامات، بما في ذلك الصفقات والعقود والاتفاقيات، مع نقل الممتلكات والملفات والأرشيف.
تحولات في البنية والمهام
سجل بالمقدم أن التحول الأول يهم الوضع القانوني، حيث ستتحول المراكز الاستشفائية الجامعية إلى مكونات داخل المجموعات الصحية الترابية بدل مؤسسات مستقلة، مع انتقال سلطة القرار إلى مجلس الإدارة والمدير العام للمجموعة.

أما التحول الثاني، وفق المسؤول النقابي عينه، فيرتبط بالوظائف؛ إذ ستُدمج مهام التكوين والبحث والابتكار ضمن اختصاصات المجموعات، بما يشمل تكوين طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان، ومهن التمريض، إضافة إلى البحث في الصحة العامة والاقتصاد الصحي وتطوير أقطاب التميز.
وأورد أن التحول الثالث يهم علاقة المستشفى الجامعي بباقي المؤسسات الصحية، حيث يُفترض أن ينتقل من كونه محطة نهائية للحالات المعقدة إلى “رأس شبكة علاجية جهوية”، تسهم في التأطير الطبي، ووضع البروتوكولات، وتنظيم الإحالة بين مختلف مستويات العلاج.
فرص ومخاطر اجتماعية
من جهة أخرى، أبرز المتدخل أن هذا الورش يحمل فرصا مهمة، من بينها تخفيف الضغط على المستشفيات الجامعية، وتحسين توزيع الموارد، وتوسيع البحث الطبي والتكوين، خصوصا في مجالات الصحة العامة والأمراض المزمنة والطب الاستعجالي.
غير أن هذه الفرص، بحسبه، تظل مرتبطة بوجود تمويل كافٍ وحكامة فعالة وتخطيط جهوي دقيق، مع اعتماد مؤشرات واضحة لقياس جودة الخدمات وسلامة المرضى وظروف العمل.
في المقابل، حذر من مخاطر اجتماعية ومهنية، أبرزها إمكانية اختزال الإصلاح في عملية نقل قانوني للموظفين والممتلكات دون ضمانات كافية، إضافة إلى غموض النظام الأساسي الجديد، وما قد يترتب عنه من توتر داخل القطاع إذا لم يتم تأمين الأجور والترقيات والتعويضات والحماية الاجتماعية.
كما نبه إلى أن التمثيلية الحالية للمهنيين داخل أجهزة الحكامة، رغم التنصيص عليها، تبقى غير كافية، ولا يمكن أن تعوض الحوار الاجتماعي مع النقابات الأكثر تمثيلية.
وشدد في هذا السياق على ضرورة الحفاظ على الهوية الجامعية للمراكز الاستشفائية الجامعية، باعتبارها ليست فقط مؤسسات علاجية، وإنما فضاءات للتكوين والبحث والابتكار.

سيناريوهات مستقبلية
قدمت الندوة ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول إدماج ناجح يحول المراكز إلى أقطاب جهوية مرجعية مع الحفاظ على دورها الجامعي. أما السيناريو الثاني فيتمثل في إدماج إداري دون معالجة الاختلالات البنيوية، والثالث إدماج متوتر اجتماعيا بسبب ضعف الحوار وتأخر الإصلاحات المصاحبة.
وفي ختام النقاش، دعت المداخلات إلى إقرار نظام أساسي موحد وعادل ومحفز لمهنيي الصحة، مع ضمان الحقوق المكتسبة، وتفعيل حوار اجتماعي مؤسساتي جدي، واعتماد معايير شفافة في التسيير والتقييم.
وخلصت الندوة إلى أن نجاح ورش المجموعات الصحية الترابية يبقى مرهونا بقدرته على تعزيز المستشفى العمومي، وتحسين الولوج إلى العلاج، وصون كرامة مهنيي الصحة، والحفاظ على الوظيفة الجامعية للمراكز الاستشفائية، بما يجعل الإصلاح تحولا فعليا في الخدمة الصحية وليس مجرد تغيير في البنية الإدارية.
The post ندوة تناقش مصير المراكز الاستشفائية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.