ندوة تبحث النزاعات السلالية بتنغير

شكلت الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها المحكمة الابتدائية بتنغير، بشراكة مع عمالة إقليم تنغير وهيئة المحامين بمراكش وورزازات، أمس الخميس، حول موضوع “التدبير القضائي والإداري لنزاعات أملاك الجماعات السلالية.. إقليم تنغير نموذجا”، محطة علمية لتدارس سبل معالجة نزاعات أملاك الجماعات السلالية، بمشاركة قضاة ومحامين ومسؤولين إداريين.

وركزت مداخلات المشاركين على التحديات المرتبطة بتنزيل القوانين الصادرة سنة 2019، خاصة فيما يتعلق بتحديد ذوي الحقوق وتدبير الاستغلال والحد من النزاعات الناتجة عن الضغط العقاري المتزايد بالإقليم.

وأجمع المتدخلون في هذه الندوة العلمية الوطنية، التي حضرها مولاي إسماعيل هيكل، عامل إقليم تنغير، ورشيدة عبد النبي، الرئيسة الأولى لمحكمة الاستئناف بورزازات، ومحمد منير الإدريسي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بورزازات، ومسؤولون قضائيون وبوزارة الداخلية، على أن النجاعة في تدبير هذه الأملاك تتطلب تكاملا واضحا بين التدخل الإداري والدور القضائي، بما يضمن حماية الحقوق وتسريع البت في النزاعات ويسهم في دعم التنمية المجالية بإقليم تنغير.

وشارك محمد منير الإدريسي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بورزازات، بصفته أيضا ممثل رئيس النيابة العامة، في أشغال الندوة العلمية الوطنية ذاتها، مشيدا بحسن اختيار الموضوع، معتبرا أنه يحتل موقع الصدارة في النقاش الوطني لما له من أبعاد تنموية واقتصادية واجتماعية وحقوقية، ويمس شريحة واسعة من المجتمع المغربي.

وركزت كلمة المسؤول القضائي ذاته على الأهمية الكبرى لأراضي الجماعات السلالية التي تهم حوالي 10 ملايين نسمة من سكان المغرب وتمتد على مساحة تناهز 15 مليون هكتار، مشيرا إلى أن تدبير هذه الأراضي ظل لعقود خاضعا للعرف والعادات وبعض الظهائر الصادرة في فترة الحماية، خاصة ظهير 27 أبريل 1919، قبل أن يتدخل المشرع المغربي لمعالجة الاختلالات عبر سن القوانين 62.17 و63.17 و64.17 والمرسوم التطبيقي للقانون 62.17، بهدف تأطير الوصاية الإدارية وتدبير الأملاك بشكل عصري.

وأبرز ممثل النيابة العامة الدور المحوري لرئاسة النيابة العامة في حماية هذه الأراضي عبر وضع سياسة جنائية واضحة لتحقيق الأمن العقاري وصون حقوق الأفراد والجماعات، مستندا في ذلك إلى الدورية عدد 52 س / ر ن ع الصادرة بتاريخ 05 دجنبر 2019، التي دعت النيابات العامة إلى التطبيق الصارم للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالاعتداءات على أراضي الجماعات السلالية وتفعيل آليات تلقي الشكايات وتسيير الأبحاث التمهيدية لضمان التنزيل الأمثل للقانون.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن تنظيم الندوة يأتي بعد مرور سبع سنوات على دخول منظومة القوانين المتعلقة بالأراضي السلالية حيز التنفيذ؛ مما يقتضي تقييم حصيلة التنزيل واستحضار الاعتبارات القانونية والحقوقية والاقتصادية والأمنية والتشاركية، داعيا إلى توحيد الرؤى بين رجال القضاء والمحامين والسلطة المحلية والأكاديميين والمستثمرين وذوي الحقوق، لرفع جودة الممارسة القضائية والإدارية وتحقيق التنمية الشمولية التي دعا إليها الملك محمد السادس في الرسالة الملكية حول السياسة العقارية سنة 2015.

من جهته، أكد إبراهيم عنترة، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتنغير، في كلمته الافتتاحية، أن الموضوع يكتسي راهنية بالغة؛ بالنظر إلى التقاطع بين الأراضي السلالية والإشكالات القانونية والقضائية والإدارية والتنموية التي تفرزها اليوم.

وأوضح عنترة أن الرصيد العقاري الجماعي يشكل ثروة وطنية تمتد على مساحة تناهز 15 مليون هكتار حسب معطيات سلطة الوصاية، يستفيد منها جزء واسع من ساكنة العالم القروي وتشكل قاعدة للنشاط الفلاحي والرعوي.

وتابع وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتنغير: “غير أن هذا الزخم التنموي رافقه ارتفاع في النزاعات المرتبطة بالتحديد الإداري والتحفيظ العقاري والاستغلال والتفويت وتنازع الاختصاصات بين المجالس النيابية وسلطة الوصاية والمحاكم؛ مما يستدعي مقاربة قانونية وإدارية أكثر نجاعة”.

وأشار المسؤول القضائي سالف الذكر إلى أن الندوة تنعقد في سياق المستجدات التشريعية التي جاء بها القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، والقانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، إلى جانب الدوريات الصادرة عن سلطة الوصاية المنظمة لمساطر التسيير والاستغلال.

واعتبر المتحدث ذاته أن اختيار تنغير كنموذج مرده خصوصياتها المجالية والاجتماعية والعقارية وما تعرفه من تحولات تنموية تفرض الموازنة بين حماية حقوق ذوي الحقوق وضمان الأمن العقاري وتشجيع الاستثمار، مؤكدا أن اللقاء يشكل فضاء للحوار بين القضاة والباحثين والإدارة والمحامين للإجابة عن أسئلة مركزية تتعلق بمدى مواكبة النظام القانوني لأراضي الجموع للتطورات الاقتصادية والاجتماعية وسبل الحد من النزاعات وتداخل الاختصاصات.

كما تضمنت الجلسة الافتتاحية مداخلات لكل من رشيدة عبد النبي، الرئيسة الأولى لمحكمة الاستئناف بورزازات، وعبد اللطيف الفتيحي، رئيس المحكمة الابتدائية بتنغير، وممثل نقيب هيئة المحامين بمراكش، الذين أجمعوا على أهمية تقاطع الجهود القضائية والإدارية والمهنية لتجاوز إشكالات تدبير أملاك الجماعات السلالية، مشددين على دور الندوة في بلورة تصور عملي يعزز النجاعة في معالجة النزاعات ويواكب التحولات التشريعية والتنموية التي يعرفها الإقليم.

بعد الافتتاح الرسمي، انطلقت أشغال الجلسة العلمية الأولى للندوة برئاسة إبراهيم عنترة، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتنغير. وناقشت هذه الجلسة، في خمس مداخلات، المحاور القانونية والإدارية المرتبطة بتدبير أملاك الجماعات السلالية.

وفي هذا الصدد، قدم محمد الغالي، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، مداخلة بعنوان “الجماعات السلالية وتدبير أملاكها في المغرب.. قراءة في مسارات التطور والتحول في ضوء متطلبات الدولة الاجتماعية”؛ فيما تطرق مراد بلفقيه، رئيس قسم الشؤون القانونية والتنظيمية بمديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية، إلى “التحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية والإشكاليات المرتبطة بها”.

وتناولت المداخلة الثالثة التي قدمها محمد مومن، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش، “دور الاتفاقيات الإدارية في تسوية منازعات أراضي الجماعات السلالية”؛ من خلال دراسة الاتفاقية الإطار المؤرخة في 15 ماي 2014 بين مديرية أملاك الدولة ومديرية الشؤون القروية، كما عرض عبد القادر بوحامد، رئيس قطاع دعم الإنتاج بمديرية المحافظة العقارية ومحافظ سابق، موضوع “اختصاصات المحافظ في مسطرة التحديد الإداري لأراضي الجموع”.

واختتم محمد البداوي، رئيس قسم الشؤون القروية بعمالة تنغير، الجلسة العلمية بمداخلة حول “حصيلة التحديدات الإدارية وتحفيظ العقارات السلالية بإقليم تنغير”، مستعرضا أهم الأرقام والمستجدات الميدانية على مستوى الإقليم.

وترأس عبد اللطيف الفتيحي، رئيس المحكمة الابتدائية بتنغير، أشغال الجلسة العلمية الثانية، التي ركزت على الجوانب القضائية والقانونية لنزاعات الأملاك السلالية. وافتتح هذه الجلسة يونس الزهري، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمداخلة حول “الإشكالات المرتبطة بمنازعات الأملاك السلالية على ضوء اجتهادات محكمة النقض”؛ تلتها مداخلة أحمد الساخي، مستشار بمحكمة الاستئناف بأكادير والمختص في قضايا الجماعات السلالية، والتي تناولت “البت في التعرضات الواردة على مسطرة التحديد الإداري للأملاك السلالية”. وتناول العربي بوعودة، محام بهيئة المحامين بمراكش، في مداخلته “النظام القانوني للجماعات السلالية وإشكالية التنمية الترابية”، مبرزا تعقيدات التوفيق بين حماية الحقوق الجماعية ومتطلبات الاستثمار. واختتمت الجلسة بمداخلة عبد الغني مستور، النائب الأول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتنغير، حول “الحماية الجنائية لأملاك الجماعات السلالية بين النص القانوني والعمل القضائي”، حيث استعرض الآليات الزجرية المتاحة لمواجهة الاعتداءات على هذه الأملاك وأهمية تفعيلها لضمان صون المال الجماعي.

واختتمت هذه الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها المحكمة الابتدائية بتنغير بتأكيدها على أن ملف أراضي الجماعات السلالية لم يعد مجرد شأن عقاري محلي؛ بل تحول إلى ورش وطني ذي أبعاد اقتصادية واجتماعية وحقوقية تمس نحو 10 ملايين نسمة على مساحة تناهز 15 مليون هكتار. وأبرز المشاركون أن مرور سبع سنوات على دخول القوانين المذكورة سابقا والمرسوم التطبيقي حيز التنفيذ يجعل من الضروري اليوم الوقوف عند حصيلة التنزيل وتقييم مدى قدرة المنظومة الجديدة على تجاوز إرث التدبير التقليدي القائم على العرف وظهير 27 أبريل 1919، وضمان الأمن العقاري وتحفيز الاستثمار في العالم القروي.

وأجمعت المداخلات على أن تحقيق النجاعة في تدبير هذه الأملاك مرهون بتكامل الأدوار بين السلطة الإدارية والقضاء والمحاماة والمجتمع الأكاديمي، مع تفعيل السياسة الجنائية الحمائية وفق ما نصت عليه الدورية 52 س / ر ن ع الصادرة عن رئاسة النيابة العامة.

وخلصت الندوة إلى أن إقليم تنغير، بخصوصياته المجالية والاجتماعية، يقدم نموذجا دالا على الحاجة إلى توحيد الرؤى وتسريع الحلول العملية لتقليص النزاعات وتثبيت الحقوق، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية المتعلقة بالسياسة العقارية ويخدم أهداف التنمية المجالية الشاملة.

The post ندوة تبحث النزاعات السلالية بتنغير appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress