نداءات "الصوت المنتظر"… من زمان؟
يكفي أن يستفيق اللبنانيون على عنوان تطور ميداني حربي ينبئ باحتلال إسرائيل لـ قلعة الشقيف، عشية طي الشهر الثالث من الحرب التي اشتعلت في الثاني من آذار على عنوان "إسناد إيران" وشعاره وتسميته، لكي تعود دفعة واحدة إلى أذهان اللبنانيين، كل استحضارات التجارب الاحتلالية السابقة مضافاً اليها هذه المرة النموذج "الغزاوي" الكارثي. وإذا كان التقدم البري الواسع الذي قامت بها إسرائيل في الساعات الأخيرة، سيرسم بطبيعة الحال وقائع طارئة أشدّ قسوة ووطأة على الدولة اللبنانية، الواقعة بين مطرقة العمليات الإسرائيلية المتدحرجة وسندان الاسترهان لإيران المتمثل بكل ميدانيات "حزب الله"، فإن العملية الإسرائيلية الزاحفة وتداعياتها لن تدعنا نغفل عن ملامح "حدثٍ نادر" إخترق هذا الانسداد المخيف، ولو أنه لا يبلغ بعد حجم رهانٍ حقيقي في حجم التطلعات لتغييرٍ داخلي يقلب واقعاً كارثياً لدى فئة لبنانية منكوبة.
نعني بذلك ما برز في الأيام الأخيرة من تحركٍ انتفاضي ضد الحرب ومسببيها، في نداءاتٍ صادرة باسم مدينتي صور والنبطية، لجعل المدينتين منزوعتي السلاح تحت سلطة الدولة اللبنانية وحدها، في محاولةٍ ربما تكون يائسة وعاجزة عن استدراك التدمير الكارثي للمدينتين. سواء كانت لهذا التطور "تتمة" تكمّله وتمضي قدماً في صنع الصوت الثالث المنتفض على الموت والحرب والاحتلال ومسببي الكارثة بالسلاح ذي وظيفة التبعية لإيران، أم توقف هنا وخضع لترهيب السلاح وأصحابه ذوي الثقافة التخوينية الجاهزة لترهيب كل مستقلٍ وحر وصاحب رأي مناهض لسردياته، فإن تلك النداءات الصادرة من قلب بيئة الهيمنة الأشدّ قسوة وسطوة لـ"حزب الله" جاءت تحاكي واقعاً متنامياً يستحيل بعد الآن طمسه وحجبه بعدما مني الجنوبيون خصوصاً بما لم يمنوا به سابقاً، من مصائب الحروب ونكباتها، منذ الاجتياح الإسرائيلي في السبعينات حتى اليوم.
قد يكون مغالياً في اللحظة الراهنة الذهاب بعيداً جداً في الرهان على "انقلاب" متجرئ مقدامٍ من داخل البيئة والطائفة والمناطق المنكوبة بتداعيات حروب الإسناد المتعاقبة التي أشعلها "حزب الله"، وأسوأها إطلاقاً الحرب الراهنة التي استدرجت أخطر نماذج العدوانية الإسرائيلية المتطابقة تماماً مع نموذج غزة. ومع ذلك، فإن رمزيةً كبيرة وعميقة ترتسم في هذه اللحظة حيال نداءات تكتسب دلالات انتفاضة طال انتظارها على واقعٍ استبدادي بالكامل، ولا يمكن وصفه بأقلّ من ذلك بعدما سحقت كل الأصوات المستقلة داخل ثنائية مذهبية سيطرت على الطائفة وتركت الحزب تحديداً يقودها إلى النكبة الكبرى الآن. في لحظة صدور نداءات تحرير صور والنبطية من السلاح، كانت إسرائيل تتقدم إلى احتلال قلعة تاريخيّة مجدداً بعد 26 عاماً من انسحابها من جنوب لبنان.
الأمر يغدو أكثر من مجرد مفارقات رمزية، أي أن يتأخر صدور الصوت الثالث المستقل المنتفض المحتج على الاستبداد، كما على ارتهان اللبنانيين للسلاح ذي الوظيفة الإقليمية. هذا الدمار الكارثي الموجع في عشرات مدن الجنوب وبلداته وقراه والضاحية الجنوبية، ومن ثم في بعض البقاع الشمالي والبقاع الغربي، لم يعد يحتمل السؤال عمن يوقفه، ما دام الحزب الرافض أي صوتٍ آخر يخوّن الدولة كأنّه يخشى أن تفضي المفاوضات إلى منع إسرائيل من سحق ما تبقى من الجنوب والعودة إلى احتلاله إلى أبعد من شمال الليطاني. ولذا قد يكون صوت النداء الآتي من قلب الكارثة، ومن مدنٍ تاريخيّة منكوبة، أشدّ وقعاً وتأثيراً من دوي أي حدثٍ آخر، فاحذروا الاستخفاف بأصوات مماثلة!