نجحت الوساطة القطرية وبدأت الحملة الإسرائيلية

إنجاز كبير للدبلوماسية القطرية حققته في الوساطة بين أميركا وإيران، في واحدة من أصعب جولات الوساطة التي خبرتها الدوحة، والتي تطلبت الكثير من الصبر والجلد والدأب. في هذا الماراثون التفاوضي الشاق، كان الطرف الإيراني يعتقد أنه خسر كل شيء من قتل قادته وتدمير اقتصاده ومؤسساته العسكرية، وأي خسارة لاحقة مقدور عليها. وفي المقابل، الطرف الأميركي ممثلاً بترمب، لا بمؤسسات القرار الأميركية المغيّبة، يرى أنه لا يخسر شيئاً، وهو يفوز دائماً بطلاً للحرب أو للسلام. وفوق ذلك مزاجي نزق يستفزه التروي الإيراني والإعلام الأميركي الذي لا يقدر إنجازاته، لهذا ظلّت المفاوضات هشة وقابلة للكسر حتى آخر لحظة.
رحلة التفاوض الماراثونية تحت القصف تختلف في حرب المئة يوم عن حرب 12 يوماً. هنا كان الضغط الاقتصادي كبيراً، والقصف نتج عنه ضرر واسع. وفي الوقت الذي كانت تتصدى باقتدار عسكرياً للعدوان، كانت تتوسط لإنهاء الحرب. كانت الدوحة في البداية غاضبة، ولم تكن غائبة، ثم انخرطت بقوة في التفاوض متجاوزة “الخيانة” التي تعرضت لها. في الفايننشال تايمز أمس، نُشرت تفاصيل رحلة التفاوض، التي تعبر عن تمرّس وخبرة وحنكة ودهاء وجلد وصلابة. تقول الصحيفة: “أمضى الوسطاء أسابيع في العمل على خطة لردم الهوة التي خلّفتها قرابة نصف قرن من العداء بين واشنطن وطهران. كان مسؤولون باكستانيون وقطريون، من بينهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وعاصم منير، على تواصل مع دونالد ترمب، وكذلك مع عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف من الجانب الإيراني، لنقل المقترحات بين الأطراف”.
وتوضح الصحيفة أنه بعد أسابيع من التنقل بين خصمين لدودين، ويومٍ مرهق من المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين، رأت البعثة القطرية الصغيرة اتفاقاً يتبلور يشمل: تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإطاراً لمحادثات نووية. وبينما كانوا يستعدون للعودة إلى الدوحة في الساعات الأولى من صباح الخميس، قصفت مقاتلات أميركية أهدافاً إيرانية في جنوب إيران. وبحلول الوقت الذي توقفت فيه الغارات الأميركية، كانت إيران تطلق صواريخ وطائرات مسيّرة على قواعد أميركية في الأردن والبحرين والكويت. وكان القطريون يراقبون المشهد من مدرج المطار. ولمدة قاربت سبع ساعات، حتى السابعة صباحاً، انتظروا على المدرج، بينما كانت الدبلوماسية الهشة التي حاولوا رعايتها مهددة بالانهيار بوتيرة متسارعة. وقال شخص مطلع على المحادثات: «كانت أشبه برحلة قطار أفعوان الملاهي».
ففي كل مرة بدا فيها الوسطاء قريبين من تحقيق اختراق، كانت ضربة جديدة أو تهديد أو تدخل سياسي يعرقل جهودهم لإتمام الاتفاق. وبحسب الفايننشال تايمز: “كانت قطر، بقيادة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قد رسخت لنفسها دوراً بوصفها واحدة من القنوات المفضلة لواشنطن للتواصل مع الخصوم، من حماس إلى طالبان ونظام فنزويلا البوليفاري”. وتضيف: “وعندما اندلعت الحرب، تعرضت هي أيضاً، مثل بقية دول الخليج، لاستهداف إيراني، وتراجعت إلى الصف الخلفي في الجهد الدبلوماسي لإنهاء الحرب. لكن بعد تحذير ترمب من أن وقف إطلاق النار على وشك الانهيار، توجه الوفد القطري بقيادة الوسيطين المخضرمين علي الذوادي وحمد الكبيسي إلى طهران، مروراً بتركيا للحفاظ على سرية المهمة”.
وفي لحظة أخرى، تكشف الصحيفة، هدد القطريون بالانسحاب بعدما واصل الإيرانيون المطالبة بتعديلات على الصياغة. وحذر القطريون من أنه إذا لم يتم الاتفاق قبل دخول ترمب إلى فعالية UFC في البيت الأبيض للاحتفال بعيد ميلاده الثمانين، فإنهم قد يواجهون ضربات أميركية إضافية في اليوم التالي. وتنقل عن مصدر مطلع على المحادثات: «كان الأمر مكثفاً للغاية. كان مرهقاً، لكن كان هناك شعور بالارتياح. يشبه الأمر إنهاء سباق ماراثون وأنت منهك تماماً».
يظل العامل الأسوأ في المفاوضات الإيرانية الأميركية هو نتنياهو، فهو يعيش حالاً من الزهو والغطرسة، ويرى أن نجاح المفاوضات تدمير لمستقبله السياسي وتفريط بالمكتسبات الاستراتيجية التي حققها. ولذلك ظل حريصاً على تخريبها بأي ثمن، وهو يستغل الثغرة اللبنانية لإفشال مذكرة التفاهم.
يجلب نجاح الدوحة تحديات بقدر ما يدرأ أخطاراً ويحقق مكانة، والوساطة هذه المرة تختلف عن وساطات الدوحة السابقة في أنها عمل دفاعي عن الدولة التي تعرضت لمخاطر غير مسبوقة بفعل الحرب، وتحتاج معالجة آثارها سنوات. وبالنتيجة، هذا عمل يغيظ نتنياهو واللوبي المتحالف معه. فمذكرة التفاهم مع إيران وقعت كالصاعقة على الإسرائيليين. ينقل دورون كدوش، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلية، عن مسؤول إسرائيلي رفيع: “هذا اتفاق صادم وكارثي بالنسبة لإسرائيل. لا يوجد شخص واحد في قمة هرم السلطة لا يعتقد ذلك، من رئيس الوزراء وصولاً إلى رئيس هيئة الأركان”.
غضبت إسرائيل من ترمب الذي خذلها، تماماً كما غضبت من قطر التي نجحت في إنجاز الصفقة رغم محاولات التخريب لآخر لحظة. بعد إعلان ترمب، غرّد ينون ماغال، أحد أبرز الإعلاميين اليمينيين في إسرائيل ومقدم برنامج “هباتريوتيم” (الوطنيون) على القناة 14، والمقرب من نتنياهو، متهماً: “بسبب توجيه وضغط مباشر من «اليهوديين الصغيرين» ويتكوف وكوشنر، اللذين اشترتهما قطر بأموال طائلة وباعا إخوتهما في إسرائيل”.
رغم التفاؤل الحذر والترقب، يمكن القول إن الحرب انتهت، ولو أن السلام لم يكتمل. وفي حساب الرابحين والخاسرين، كان ثمة إجماع إسرائيلي أن مذكرة التفاهم خسارة استراتيجية صافية. وحسب ما نقل يوسي يهوشع في i24NEWS عن مسؤول إسرائيلي رفيع: “لو كنا نعلم أن الحرب ستنتهي بهذه الصورة على المستوى السياسي، فليس مؤكداً أنه كان من المجدي أصلاً الخروج إليها”.
هذه المرارة من الخسارة تمتد من ترمب الذي خذل إسرائيل إلى قطر التي كانت المفاوض الرئيسي. قبيل إعلان ترمب على تروث سوشال بدقائق، كان خبر القناة i24NEWS، نقلاً عن المراسل الدبلوماسي للقناة وعن مصادر مطلعة، أن “قطر تمارس ضغوطاً مكثفة من أجل التوصل إلى اتفاق خلال الليلة”.
ردت إسرائيل على هذا النجاح من خلال التشويه والتخريب عبر التسريبات الإعلامية. عندما يتحدث بوق نتنياهو عن شراء قطر لليهوديين كوشنر وويتكوف، لا يؤخذ بجدية. لكنه، كما يقال، “خذ أسرارها من صغارها”، فإنه يعبر عن جو نتنياهو الحانق، ويتحول إلى حملات استهداف ممنهجة وجدية. وهذا الاستهداف لم يتوقف منذ حرب غزة، عبر الإعلام الإسرائيلي وما ارتبط به من لوبيات إعلامية غربية ومراكز بحث وتفكير.
على سبيل المثال، مع إرهاصات نجاح التفاوض، وصلت التسريبات إلى الواشنطن بوست من مسؤولين أمنيين “إقليميين”، وهي لا تعدو أكثر من وشاية كاذبة، تقول: “في سبيل سعيها لحماية جوهرتها الاقتصادية، تواصلت مع طهران في بداية الحرب لطرح ترتيب يحقق منفعة متبادلة: تمتنع إيران عن استهداف رأس لفان، وفي المقابل توقف قطر إنتاج الغاز من جانب واحد، وهي خطوة كانت سترفع أسعار الطاقة بشكل حاد وتفرض ضغوطاً اقتصادية على الولايات المتحدة وإسرائيل لتقصير أمد الحرب”. وقال مسؤول أمني إقليمي رفيع (طبعاً لا تقول إسرائيلي): إن قطر طرحت ما يرقى إلى «صفقة سرية»، متعهدة باستخدام نفوذها على إمدادات الغاز للمساعدة في إنهاء الحرب سريعاً، مقابل الحصول على التزام إيراني «بشرط واحد: ألا تهاجمونا».
ولك أن تتساءل كيف تتورط صحيفة بعراقة واشنطن بوست بمثل هذا الهراء. قطر تطالب علانية بكف العدوان عنها. وقال رئيس وزرائها الشيخ محمد بن عبدالرحمن، في مقابلة مع سكاي، علانية إنها تعرضت لـ”الخيانة”. يعني لم تكن تتوقع أن تقدم إيران على هذه الحماقة مع بلد شريك لها في أكبر حقول الغاز، ورافض للحرب. هل من المفترض أن يقول المسؤولون القطريون للإيرانيين: اقصفونا؟ المطلوب تشويه صورة قطر وإظهارها متآمرة مع إيران.
لم تتوقف الحملة على قطر خلال السنوات الأخيرة، بل أخذت أشكالاً متعددة، كان أبرزها نشاط اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة والإعلام الإسرائيلي، الذي واصل تصوير قطر باعتبارها طرفاً “معادياً للسامية” و”داعماً للإرهاب”. ولم تسلم من الهجوم حتى مؤسساتها الخيرية والأكاديمية، ناهيك عن قوتها الناعمة.
سجل العلاقات القطرية الإيرانية واضح وشفاف، مبني على تعاون ومصالح مشتركة بحكم الجوار وحقل الغاز المشترك والمصالح السياسية. ومع ذلك، شهدت العلاقة خلافات جوهرية علنية حادة حول ملفات إقليمية أساسية، وفي مقدمتها الملف السوري، وتدخلات إيران في المنطقة، سواء في اليمن أو العراق وغيرهما.
وهنا يكمن نجاح الوسيط، الذي يتمتع بالثقة من خلال الوضوح لا اللعب على الحبال، والقدرة على الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف متخاصمة. وفوق ذلك، من زاوية المخاطر، كان استمرار الحرب تهديداً استراتيجياً لقطر ودول الخليج كافة، بقدر ما أن استقرار إيران مصلحة إقليمية وخليجية كذلك. ذلك أن انهيار الدولة الإيرانية أو دخولها في حالة فوضى داخلية واسعة سيخلق تحديات استراتيجية هائلة لدول الخليج، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإيران دولة يتجاوز عدد سكانها التسعين مليون نسمة، وتقع على الضفة المقابلة مباشرة للخليج. وأي انهيار شامل لمؤسساتها سيعني احتراباً أهلياً، وضغوطاً على أسواق الطاقة، فضلاً عن موجات نزوح ولجوء قد تكون غير مسبوقة في تاريخ المنطقة. بالنسبة لنتنياهو، سيكون سعيداً بخلق مشكلة لاجئين في دول الخليج!
فرق كبير بين معارضة السياسات الإيرانية في المنطقة وبين اعتبار تفكك الدولة الإيرانية مصلحة عربية وخليجية. وفي الحسابات الاستراتيجية، استقرار الجوار ــ حتى المختلف معه ــ أقل كلفة بكثير من الفوضى التي قد تعقب سقوطه.
تشكل “الوساطة” القطرية سوراً حصيناً يحميها وذخراً استراتيجياً للمنطقة التي تعتبر من أكثر مناطق العالم اشتعالاً واضطراباً، فسلاح المطافئ لا يقل أهمية عن سلاح المدفعية. وهي البلد الوحيد في العالم الذي يوثق دستوره هذا الدور، والذي ترسخ عبر السنين من الانخراط في ملفات معقدة ومتعددة الأطراف. وفي التراث القبلي العربي يمدح الشيخ بأنه “فكّاك نشب”، وهذه مكانة بقدر ما هي سلاح للدفاع عن الحمى. تخرج قطر من الحرب بأقل خسائر، والأقدر على التعافي، ليس بفضل أصول الغاز وصناديق الاستثمار والتحوط وحدها، بل بما تملكه من رصيد ثقة لا يقدر بثمن.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post نجحت الوساطة القطرية وبدأت الحملة الإسرائيلية appeared first on الشروق أونلاين.