مِنَصّةُ الكَلَامِ
قبْلَ أن يبدأ التّصْفيق
في كلِّ مرَّةٍ شَاءَ القَدرُ أن أحضرَ مُؤتمرًا، أكتشفُ أن القدر نفسه يملكُ حسًّا ساخرًا لا بأس به. أدخلُ القاعة فأجدُ المنظمين قد أعدّوا كلّ شيء بعِنَاية: لافتة ضخمة، أسماء لامعة، كلمات ترحيبية، وماءً موضوعًا أمام المتحدثين كما لو أن الحقيقة ستخرج بعد الرّشفة الثالثة. ثمّ تتوَالى العِبَارات كأن المتحدثين يلقون تعاويذ رسمية تكفي وحدها لتحريك الواقع من مكانه. غير أن الواقع، لسوء حظه أو لسوء حظنا، لا يهتز كثيرًا للتصفيق، ولا ينهض لمجرد أن أحدهم ذكره في كلمة افتتاحية، ولا يتحوّل إلى مشروع لأن متحدثًا قال بثقة: “نحن أمام لحظة تاريخية”.
مؤتمراتُنا التي تنتهي عند بابِ القَاعة
تبدأ بعض مؤتمراتنا كما تبدأ العروض المسرحية الفاخرة: أضواء محسوبة، منصة أنيقة، لافتة ضخمة، كلمات معلقة في الهواء مثل: التنمية المستدامة، الابتكار، الشراكات، التحول الرقمي، الاقتصاد المعرفي. كل شيء يوحي بأن حدثًا استثنائيًا سيقع. غير أن المتابع الحصيف يكتشف سريعًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل المؤتمر، وإنما في نجاحه الشكلي؛ نجاح يلمع في الصور، ويخفت في الواقع، ويغادر القاعة قبل أن يبدأ السؤال الجادّ. لذلك، في كثير من مؤتمراتنا، لا تنطلق الحكاية من سؤال علمي واضح، ولا من أزمة تنتظر حلًا، ولا من مشروع يبحث عن شركاء حقيقيين. تنطلق من الملصق. ملصق أنيق، عنوان ضخم، شعار مؤسسة، اسم راعٍ رسمي، وبعض أسماء يعرف أصحابها بعضهم منذ ندوات سابقة وصفت هي الأخرى نفسها بالواعدة، والناجحة، والفاتحة لآفاق جديدة.
ثم يأتي يوم الافتتاح. القاعة مضاءة، الكراسي مصطفة، قنينات الماء فوق الطاولات، والميكروفونات تستعد لاستقبال البلاغة. يبدأ التصفيق قبل الفكرة، وتسبق عبارات الشكر أي نقاش، وتستحوذ المجاملات على الوقت، ثم يطلب المنظمون من الباحثين الاختصار لأن البرنامج حافل بالعروض القيّمة. عندها نفهم أن المؤتمر لا يزدحم بالأفكار، وإنما يزدحم بالكلمات الافتتاحية. يتحدث الجميع عن المستقبل كأن المستقبل موظف ينتظر خارج القاعة ليوقع محضر الحضور. نسمع عن ربط الجامعة بالمقاولة، وعن أهمية البحث العلمي، وعن موقع العالم العربي في التحولات الكبرى. كلام واسع، ناصع، مطمئن، يصلح لأي بلد، وأي زمن، وأي موضوع. غيّرْ عنوان الندوة فقط، واتركْ الجُمَل كما هي؛ ستُؤدي مهمّتها الخطابية بكفاءة عالية. غير أن السّؤال الذي يربك هذه الطمأنينة يبقى بسيطًا وقاسيًا: ماذا يحدث بعد التصفيق؟ هل خرج طالبٌ بفكرة تغني بحثهُ؟ هل وقّعت جامعة اتفاقًا قابلًا للتنفيذ؟ هل انتقل بحث واحد من رفوف المختبر إلى مصنع؟ هل تحولت مداخلة إلى برنامج تكوين، أو حلٍّ ميداني، أو سِياسة عُمومية؟
حين تتحول المعرفة إلى مناسبة بروتوكولية
لا نعاني من نقص في المؤتمرات. نعاني من وفرةٍ لا تتركُ أثرًا. لدينا لجان علمية، ولجان تنظيمية، ولجان استقبال، ولجان تواصل، ونادرًا ما نجد لجنة واحدة تعود بعد ستة أشهر لتسأل: ماذا تحقَّق؟ من نفذ؟ من تابع؟ من تعثر؟ من حاسب؟ نعرف كيف نفتتح بالترحيب، ونعرف كيف ننهي بالشكر، ونفشل غالبًا في تحويل ما بينهما إلى فِعْل. لذلك تنتهي مؤتمرات كثيرة قبل أن تبدأ. تنتهي حين يتحول هدفها من إنتاج المعرفة إلى إنتاج الحَدث، ومن مساءلة الواقع إلى تزيين الواجهة. بعد ذلك تأتي اللحظة المقدسة في كل مؤتمر: الصُّورة الجماعية. تلك اللقطة التي لا يترك لها أحد مجالًا للفشل. يُعَدِّلُ المشاركون ستراتهم، يرتّب المنظمون الصفوف، يعود الغائبون من استراحة القهوة، يرفع الواقفون في الخلف رؤوسهم، ويبتسم الجالسون في الأمام كأنهم خرجوا لتوِّهِم من معركة ناجحة ضد التَّخلف العلمي. لا توثق الصورة الإنجاز دائمًا؛ كثيرًا ما تُعوّض غيَابه. في الصورة، يتساوى من أعدَّ بحثًا جادًا مع من حضر نِصْف جَلسة، ومن ناقش فكرة مع من انتظر شهادة المُشاركة، ومن جاء ليبني شراكة مع من جاء ليظهر في المنشور. الجميع شركاء في النّجاح البَصري. لا أحد يسأل: ماذا أنجزتم؟ يكفي أن يرى المتابع الوجوه مصطفة أمام اللافتة ليطمئن أن شيئًا كبيرًا قد حدث. ثم تبدأ دورة الحياة الرقمية للمؤتمر. ينشر فريق التواصل الصورة على الصفحة الرسمية، فتنهال تعليقات من نوع: “هنيئًا”، “مزيدًا من التألق”، “نشاط متميز”، “إشعاع أكاديمي مشرف”. عبارات تبارك الشكل أكثر مما تحتفي بالفكرة، وتحتفي بالظهور أكثر مما تسأل عن الأثر. ينتقل المؤتمر من القاعة إلى المنشور، ومن المنشور إلى ذاكرة قصيرة، ثم يختفي تحت صور مؤتمر آخر، بوجوه متقاربة، وشعارات متشابهة، ووعود مألوفة. ولا يكتمل هذا الطقس دُون البيان الختامي. هناك، يعلن المنظمون أن الندوة شكلت مناسبة مهمة لتبادل الخبرات، ودعت إلى تعزيز التعاون، وفتحت آفاقًا واعدة، وأكدت ضرورة تفعيل الشراكات. عبارات ناعمة، مطمئنة، لا تجرح أحدًا ولا تلزم أحدًا. تشبه قهوة الاستراحة: يستهلكها الحاضرون بسُرعة، تترك أثرًا خفيفًا، ثم تختفي.
والأطرف أن هذه الخلاصات تتحدث بنبرة المنتصرين: “اختتمت الندوة أشغالها بالتأكيد على أهمية…” كأن التأكيد إنجاز قائم بذاته، وكأن قول الشيء يعادل فعله، وكأن التنمية المستدامة تنتظر جملة رنانة كي تتحقق. نكتب: تعزيز التعاون، دعم الشراكات، فتح الآفاق، خدمة التنمية المستدامة. نكتب كل شيء، ولا نلتزم بشيء. نفتح باب المستقبل بعبارة إنشائية أنيقة، لا بخطة عمل، ولا بميزانية، ولا بمؤشرات قياس.
المؤتمرات التي تنتهي عند التصفيق لا تبدأُ أصلًا
لا يحتاج كل مؤتمر إلى ثورة صناعية أو اختراع عالمي. المطلوب أبسط وأشدّ جدِّية: أن نعرف لماذا اجتمعنا، وماذا قرّرنا، ومن سيفعل ماذا، ومتى، وبأي موارد، وكيف سنقيس التقدم. تبدو هذه الأسئلة في بعض مؤتمراتنا كأنها إفساد لأناقة الخطاب، مع أنها تمثل الحد الأدنى من الاحترام للعقل، وللوقت، وللمال، وللناس. لا ينتهي المؤتمر الحقيقي بالتصفيق. يبدأ بعده. يبدأ حين تتحول التوصيات إلى ملفات عمل، والشراكات إلى عقود أو برامج، والبحوث إلى تطبيقات، والنقاشات إلى قرارات. أما المؤتمر الذي يغلق أبوابه عند البيان الختامي، فيظل مناسبة لغوية موسمية، ينتج الارتياح أكثر مما ينتج المعرفة. مشكلتنا لا تكمن في عقد المؤتمرات. تكمن في الخلط بين المؤتمر والإنجاز، بين الحضور والتأثير، بين النية والفعل، بين البيان والخُطة. التصفيق لا يخلق معرفة، والصورة لا تصنع تنمية، والكلمات الكبرى لا تعالج العجز اليومي حين تظل مُعلقة فوق المنصة. قد تنجح مؤتمراتنا أحيانًا لأنها منظمة بإتقان: اللافتات في مكانها، الكراسي في مكانها، الشواهد جاهزة، عبارات الشكر محفوظة، والصورة واضحة. غير أن هذا الإتقان نفسه قد يخفي الفراغ.
كل شيء يحضر، ما عدا السؤال الحاسم: ماذا بعد؟
لذلك، قبل أن نعقد مؤتمرًا جديدًا، علينا أن نسأل عن المؤتمر السابق: ماذا تحقق من وعوده؟ من تبنّى توصياته؟ من عرقلها؟ ما الذي دخل مرحلة التنفيذ؟ وما الذي ظل كلامًا أنيقًا في ملف بارد؟ هذه الأسئلة لا تعادي العِلْم، ولا تفسد بهجة اللقاءات، ولا تقلل من قيمة الباحثين. هذه الأسئلة وحدها تحمي المؤتمرات من أن تتحول إلى ديكور مؤسسي جميل، بلا أثر حقيقي.
لا يفضحُ المؤتمر خُصومه، وإنما يفضحُه اليومُ التالي. في اليوم التالي تختبر الوعود صدقها، وتكشف الصور حدودها، وتظهر قيمة الكلمات أو هشاشتها. وحين لا نجد مشروعًا، ولا متابعة، ولا أثرًا، نعرف أننا لم نكن أمام حدث علمي، وإنما أمام طقس أنيق لإدارة الفراغ. نلتقي، نتكلم، نصفق، نلتقط الصورة، نكتب البيان، ثم نمضي إلى نسيان جديد. وبعد أشهر نعود إلى القاعة نفسها تقريبًا، لنفتح الآفاق نفسها، ونعلن النجاح نفسه، ونُؤجِّل الفعل نفسه.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
The post مِنَصّةُ الكَلَامِ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.