مَدارسُ التَّميّز
“Ce n’est pas que je sois si intelligent, c’est juste que je reste plus longtemps avec les problèmes.”
Albert Einstein
المدرسة، في جوهرها، ليست بناءً من إسمنتٍ ومقاعد وجداول زمنية، إنها التصوّر الذي يحمله مجتمعٌ ما عن الإنسان الذي يريد أن يصنعه. لذلك، حين يتغيّر معنى التربية، لا تتغيّر المقررات وحدها، يتغيّر معه أفقُ المعرفة، ووظيفة النجاح، وصورة التلميذ، وحتى قيمة الفشل. من هنا تغدو الأسئلة التربوية أسئلة فلسفية بامتياز: هل نربّي الإنسان على مساءلة العالَم أم على التكيّف الصامت مع أعطابه؟ وهل التميّز قيمة معرفية وأخلاقية، أم مجرد اسم أنيق لآليات قديمة في الانتقاء والفرز وإعادة إنتاج الفوارق؟ بهذا الخيار، لا تبدو “مدارس التميز” مجرد مشروعٍ إداريّ لتحسين جودة التعليم، بقدر ما تتجلى بوصفها عرضًا مكثفًا لأزمة أعمق: أزمة مدرسةٍ لم تعد تعرف هل وُجدت لتكوين الإنسان أم لإنتاج الكَفاءة. وما يزيد المفارقة حدّة، أن الخطاب الذي يُمجّد التميّز والنجاح لا يفعل ذلك باسم الفكر، وإنما باسْم المردودية.
في الحاجة إلى مدرسة تُنْصِف لا مدرسة تُصنِّف
في اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تُشهر مُفردة “التميّز”، بدا وكأنها عثرت أخيرًا على الوصفة السّحرية لإنقاذ التعليم من عاهاته الوراثية. مدارس التميز؟ يا لها من عبارة تُدوّي كأنها قادمة من كُتيّب تسْويقي لا من تقرير تربوي. لكن الواقع، أكثر عنادًا من الرغبة. فالطاولات هي ذاتها، والجدران تتقشَّر من فرط الانتظار، والتميّز لا يزال حبيس الشعارات عند مدخل المؤسسة. والحقّ أن الدولة، مثل تلميذ في امتحان الفلسفة، حاولت جاهدة أن تُعرّف “التميّز” دون أن تفهم السؤال أصْلًا. تُمارسُ مدارس التميُّز في نسختها الراهنة نوعًا من الفرز الاجتماعي النّبيل، لكنها تُسميه “استحقاقًا”. فالتلميذ المتفوق في الامتحانات ليس بالضرورة متميزًا في ملكاته أو خياله أو حساسيته، إنه فقط من تَعلّم باكرًا كيف يرضي شبكة الاختبارات الموحدة. وهكذا يتحوّل التميز إلى نوع من “الانضباط البيداغوجي”، حيث تُكافَأ الطاعةُ وتُعاقَبُ الفوضى الخلاَّقة، وكأننا نُعدّ النُّخب المقبلة لا لابتكار الحلول، وإنما لتكرار الأجوبة بأناقة. لا ينقص هذه المدارس الطموح، لكنها تفسده حين تحصره في لغة المخرجات: كم مهندسًا ستُخرّج؟ كم طبيبًا ستزود به السوق؟ كم مبرمجًا ستُعدّ ليقرأ الحياة بمنطق الخوارزمية؟ هكذا يضيع جوهر المدرسة الكامن في تدريب العقل على التجريب، وتربية الإنسان على المساءلة. من هنا، تكمن الحدود الكبرى لهذه التجربة: التّميز بوصفه سياسة تربوية موجّهة نحو القِلة لا الكثرة. إنها مدارس لا تسأل عن حال بقية المدارس، ذلك أنها تفترض أن القاعدة فاشلة ويكفي إنقاذ النُّخبة. من هنا تبرز مفارقة جوهرية: هل يمكن لمجتمع أن يتقدّم بنُخبة معزولة عن بقية الجسد المدرسيّ؟ التّميز الحقيقي لا يولد من الفرز وإنّما من العدالة؛ لا من المعايير الصارمة، وإنما من الأسئلة المرنَة.
هل التميّز قيمة تربوية أم أداة انتقاء؟
هكذا، تقترب مدارس التميّز من تجارب مخبرية تسعى إلى هندسة تلميذ مثالي بمقاييس صارمة: متفوّق في نتائجه، منضبط في سلوكه، سريع في الاستيعاب، قليل الاعتراض، مطيع لإيقاع المؤسسة. غير أن السؤال الجوهري يظل: أي تلميذ نريد أن نصنع؟ إننا لا نحتاج نسخة تعليمية من آلة صامتة، تتحرك من غير قلق، وتنجز بدون خيال؛ نحتاج فضاءً مدرسياً حياً يحتضن اختلاف القدرات، ويمنح الخطأ قيمة تربوية، ويحوّل الفشل إلى فرصة للتعلّم، والمحاولة إلى طريق للنضج. فالتميّز لا ينمو داخل قوالب مغلقة، ولا يتحقق عبر انتقاء القلة وترك البقية على هامش الطريق؛ إنه ثمرة بيئة عادلة، ومعلمين متمكِّنين، ومَناهج تُدرّبُ العقل على التفكير قبل الحفظ. أما أن نرفع شعار التميّز قبل أن نصلح التربة التي ينبت منها التعليم، فذلك يشبه أن نغرس النخيل فوق سطح مدرسة مهجورة: صورة جميلة من بعيد، وجذر بدون أرضٍ من قَريب.
شيء ما في خطاب مدارس التميز يشبه الإعلانات العقارية: بنية تحتية حديثة، أساتذة منتقُون، لوائح تأديبية أنيقة، وأحلام قابلة للتصدير إلى الخارج. لا عجب أن تجد الوزارة وقد بدأت تتحدث عن “العلامة المغربية في التعليم”، وكأن التلميذ المنتَج في هذه المدارس مؤهَّل لحَمل شهادة “صنع في المغرب “، لكنّنا ننسى أن المنتوج الجيد لا يُقاس بجودة التغليف، وإنما بما إذا كان قادرًا على البقاء في وطنه دون أن يحلم كل صباح بالمغادَرة.
أما عن المعلم في هذه المدارس، فقصَّته لا تقلُّ إثارة: هو مطالب بأن يكون موسوعيًا في المعرفة، سيكولوجيًا في التواصل، إداريًا في التقييم، وراهبًا في الصبر. وهو، وسط تلك التوقعات، يسير على حبل مشدود بين سقف الطموحات وجدار الواقع. إنه الأستاذ الذي لا يُخطئ، لا يمرض، لا يشك، ولا يحتجّ. على أن مدارس التميز لا تكتفي بتمييز التلميذ، ذلك أنها تريد أيضًا أسرة على مقاسه. آباء يحملون شواهد جامعية، أمهات يُجدن لغة التواصل مع الإدارة بلغة فرنسية بلا شائبة. الأسرة هنا شريك في التميّز، بشرط ألا تُزعج الإدارة بطلبات غريبة من قبيل “نريد وقتًا للعب” أو “ابننا مرهق نفسيًا”. فالمؤسسة تفضّل الأطفال المتأقلمين بسرعة، أولئك الذين لا يسألون كثيرًا ولا يكتبون الشِّعْر.
أيّ عدالة تربوية في زمن مدارس التميّز؟
“تميّز”، كلمة تتكرر على نحو يشبه الطَنين، حتى تفقد معناها. فحين يُوصف الجميع بالمتميز، من التلميذ إلى المدير، ومن المقرر إلى الباب، ينقلب التميّز إلى تمييع. لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة: أن التميّز الحقيقي ليس في تسوير المدرسة بالورود الاصطناعية، وإنما في تحرير الفكر من الخوف، والخيال من الرتابة، والمعرفة من الاحتكار. وما سوى ذلك… هو تأثيث مؤقت لفشل طويل الأمد. تبلغ المفارقة ذروتها حين ندرك أن كثيرًا من خريجي هذه المدارس لا يرون في الوطن سوى محطة عبور. فبعد سنوات من “الاستثمار في الكفاءات”، يغادر التلميذ المتميز إلى بلاد أخرى بحثًا عن أفق لا يضع له “معدل الولوج” في الحياة. هنا، لا يمكننا إلا أن نهنئ أنفسنا على حسن التربية: لقد صنعنا عقلًا نابهًا… لأمّة أخرى. وهكذا، تصبح مدارس التميز مصانعا لتصدير العقول، لا معامل لصناعة المستقبل. ويا لغرابة المشهد: نستثمر في التميّز، لنفْخرَ به من بعيد. لا يبدأ الخلل من وجود مدارس تحمل اسم “مدارس التميّز”، ولا من الطموح إلى تكوين تلاميذ متفوّقين؛ يبدأ من الفكرة التي تقف خلف هذا الاختيار: أن تختصر المدرسة رسالتها في إنتاج نخبة محدودة، وأن تختزل المعرفة في أرقام ونتائج، وأن تنظر إلى التلميذ كأنه جهاز يحتاج إلى ضبط دقيق كي يعطي المردود المطلوب. هنا يتراجع المعنى الإنساني للتربية، وتتحول المدرسة من فضاء للنمو والاكتشاف إلى ورشة للانتقاء والتصنيف. لذلك، لا نحتاج إلى إلغاء فكرة التميّز، وإنما نحتاج إلى تحريرها من منطق السباق الضيّق. فالتميّز الحقيقي لا يقوم على رفع بعض التلاميذ فوق غيرهم في سلّم النقط، وإنما يقوم على بناء بيئة تربوية عادلة تجعل كل تلميذ قادرًا على فهم ذاته، واكتشاف صوته، وتجريب قدرته، والخطأ دون خوف، والتفكير دون وصاية.
لا تقاس قيمة المدرسة بقدرتها على إنتاج تلاميذ يلمعون في الإحصاءات، وإنما بقدرتها على حماية هشاشة الإنسان وهو يتعلّم، وعلى تحويل القسم إلى مكان يجرؤ فيه الطفل على السؤال، لا إلى ممرّ ضيق نحو التصنيف. فالمدرسة التي تجعل الخوف محرّكًا للتفوق تخلق طاعة لا وعيًا، وتنتج درجات عالية من دون أن تضمن عقولًا حرة. ومن هنا، يصير الرهان الحقيقي أعمق من مشروع جديد أو تسمية جذابة؛ إنه رهان على معنى التربية نفسها: هل نريد مدرسة تصنع أرقامًا ناجحة، أم مدرسة تنشئ إنسانًا قادرًا على الفهم، والاختيار، ومساءلة العالم من حوله؟
لذلك، لا يحتاج التعليم إلى واجهة أكثر بريقًا، يحتاج إلى قلب أكثر عدلًا. يحتاج إلى سياسة تربوية ترى في كل تلميذ مشروع إنسان، لا مادة للاختيار والفرز. وحين تعود المدرسة إلى هذه البوصلة، يصبح التميّز ثمرة طبيعية لبيئة حية، لا امتيازًا محجوزًا لقلة محظوظة. أما حين تفقد المدرسة روحها، فإنها قد ترفع شعارات كبيرة، وقد تحقق نتائج مبهرة، لكنها ستظل عاجزة عن أهم مهمة خُلقت من أجلها: أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
The post مَدارسُ التَّميّز appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.