مونديال "أميركا الشمالية"... يُسحق تحت أقدام الـ"فيفا"؟
أيام قليلة وتنطلق البطولة المنتظرة، كأس العالم بنسختها الـ23 في دول أميركا الشمالية الثلاث، الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، حيث الحدث قد لا يشبه ما عداه من المسابقات الرياضية ولا حتى النسخ السابقة من المونديال.
لم تعد كأس العالم تشبه نفسها. هذه الجملة أشبه بحقيقة تفرض نفسها كلما اقترب الحدث المنتظر كل أربع سنوات؛ فالبطولة التي كانت تمثل ذروة الرياضة العالمية عموماً وكرة القدم على وجه الخصوص، تتحوّل تدريجياً إلى حدث متضخم يستهلك كل شيء حوله، اللاعبين، الجماهير، المدن المضيفة، وحتى معنى المونديال نفسه، حيث إنّ الاتحاد الدولي الـ"فيفا" القيّم على المسابقة، لا يطوّر البطولة، بل يدفعها نحو تضخم هائل يبدو ناجحاً تجارياً وصاخباً إعلامياً، لكنه يفرغ المونديال من "الهيبة".
عندما قرّر الـ"فيفا" رفع عدد المنتخبات إلى 48 وعدد المباريات إلى 104 وتوزيع البطولة على ثلاث دول وست عشرة مدينة، فهي لا توسّع منافسة كروية فقط، بل تعيد تشكيل هوية كأس العالم بالكامل. كلّ شيء في نسخة 2026 يبدو مصمّماً بمنطق السوق لا بمنطق اللعبة، والمزيد من المباريات يعني المزيد من حقوق البث، والمزيد من الإعلانات، والمزيد من الرعاة، والمزيد من المليارات. لهذا لا تبدو البطولة كمحاولة لتطوير كرة القدم، بل محاولة لتحويل كأس العالم إلى أكبر منصّة استهلاك رياضيّ في التاريخ.

كأس العالم لم تكن عظيمة لأنها مفتوحة للجميع، بل لأنها كانت قاسية إلى درجة مرعبة؛ فمجرّد الوصول إليها كان إنجازاً تاريخياً، ومجرّد الغياب عنها كان كارثة وطنية في دول كروية كبرى. إيطاليا بطلة العالم أربع مرات غابت عن النسخ الثلاث الأخيرة، وهولندا سقطت سابقاً، ومنتخبات عملاقة دفعت ثمن أخطائها بالكامل. هذه القسوة منحت البطولة وزنها. لكن ربع أعضاء الاتحاد الدولي، هذه المرة، أصبحوا داخل كأس العالم، والتأهّل لم يعد يشبه اقتحام قمة مغلقة، بل عبوراً أقلّ صعوبة وأكثر تساهلاً. وعندما تصبح الطريق أسهل، تصبح قيمة الوصول أقلّ.
لكن الأزمة لم تعد رياضية فقط، بل أصبحت لوجستية واقتصادية إلى درجة تكشف حجم التشوّه الذي أصاب البطولة. الصحافة الأميركية والكندية لا تتحدث عن الخطط التكتيكية أو جودة المنتخبات بقدر ما تتحدث عن المطارات، الحدود، الفنادق، الأمن، وساعات السفر بين المدن. صحيفة "The Athletic" وصفت مونديال 2026 بأنه "أعقد حدث لوجستي في تاريخ كرة القدم". فعندما تصبح اللوجستيات القصة الأساسية للبطولة، فهذا يعني أنّ كرة القدم نفسها بدأت تتراجع إلى الخلف. المنتخبات ستجتاز مسافات شاسعة وساعات طيران طويلة، وسط ضغط مباريات غير مسبوق وفوارق مناخية مرهقة، فيما يدخل اللاعبون البطولة بعد موسم طويل ومتعب، ويتحوّل الحديث تالياً عمّن يستطيع النجاة جسدياً حتى النهاية.
الأخطر أنّ النظام الجديد يقتل التوتر الذي صنع كأس العالم تاريخياً. المونديال كان بطولة مرعبة لأنها مكثفة، لأنّ كلّ مباراة فيها تحمل شعوراً بأنها قد تدمّر جيلاً كروياً كاملاً. أما الآن، فالبطولة تتمدّد أكثر فأكثر، وتمنح الجميع فرص نجاة إضافية، وتخلق عدداً أكبر من المباريات التي لا تحمل القيمة نفسها التي كانت تحملها مباريات كأس العالم سابقاً. كثرة المباريات تعني بطولة أبطأ، أقل شراسة، وأكثر استهلاكاً.
ولهذا تبدو جملة "الغارديان" شديدة الدقة عندما كتبت أنّ الـ"فيفا يواصل التوسع، لأنّ التوسع يبيع"، إذ إنّ الاتحاد الدولي يتحرّك بدافع توسيع السوق، أي أنّ البطولة تدرّ كمنتج اقتصادي عملاق أكثر من كونها أعلى قمة تنافسية في اللعبة.
حتى المشجع الحقيقي بدأ يشعر بأنه خارج الحسابات، مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل جنوني، ومتابعة منتخب واحد حتى النهائي قد تتحوّل إلى استنزاف مالي كامل.
البطولة قد تصبح الأكبر والأغلى والأكثر مشاهدة في التاريخ، لكنها إذا فقدت قسوتها وندرتها وشعورها القديم بأنها أعلى قمة في كرة القدم، فلن يبقى منها سوى حدث ضخم ومزدحم وفارغ في الوقت نفسه.