مونديال 2026 ينعش الاقتصاد المصري بجرعة استهلاكية
أنعش مونديال 2026 الاقتصاد المصري من بوابة "اقتصاد الانتباه"، حيث ملايين المشاهدين، حملات إعلانية مكثفة، مقاهٍ ممتلئة، طلبات طعام أعلى، واشتراكات بث أكثر جاذبية، لكنه يظل انتعاشاً موسمياً مرتبطاً بأداء المنتخب ومدة بقائه في البطولة، فكل مباراة إضافية لمصر تعني يوماً جديداً من الإنفاق، ومساحة إعلانية أعلى سعراً، ومزيداً من الطلب على خدمات المشاهدة والطعام والتوصيل.
ورغم أن كأس العالم 2026 تقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بعيداً عن مصر، فإن البطولة تحولت داخل السوق المصرية إلى صدمة طلب قصيرة الأجل.
المحرك الأساسي لم يكن استضافة المباريات، بل بقاء المنتخب المصري في البطولة حتى دور الـ16 بعد فوزه التاريخي على أوستراليا بركلات الترجيح 4-2 عقب التعادل 1-1، وهو أول انتصار مصري في الأدوار الإقصائية بكأس العالم.
وجاء الحدث في توقيت اقتصادي حساس، فالاقتصاد المصري كان قد بدأ التعافي، إذ قال صندوق النقد الدولي إن النمو بلغ 5.2% في أول ثلاثة أرباع من السنة المالية، مع بقاء التضخم الحضري عند 14.6% في أيار/ مايو، هذا يعني أن المونديال لم يخلق دورة نمو جديدة، لكنه أضاف زخماً استهلاكياً موقتاً إلى قطاعات تعتمد على المزاج الجماعي والإنفاق اليومي، وفق "رويترز".
اقتصاد المشاهدة الجماعية
ظهر تأثير المونديال أولاً في المقاهي والمطاعم ومحال الأغذية والمشروبات، إذ ارتفع النشاط التجاري خلال المباريات الكبرى، خصوصاً في المقاهي والمطاعم ومشاريع الطعام المنزلي.
.jpg)
وداخل المقاهي، تراوحت أسعار المشروبات الغازية بين 40 و70 جنيهاً، والعصائر بين 80 و180 جنيهاً، بينما بدأت أسعار الوجبات الخفيفة من 150 وصولاً إلى 350 جنيهاً للفرد، كما قدمت مطاعم عروضاً عائلية للمباريات بأسعار تتراوح بين 700 و1500جنيه، مع خصومات على الطلبات الجماعية والتوصيل إلى المنازل، وفق "الأهرام بيزنس".
الإعلانات.. الرابح الأكبر
يقول الرئيس التنفيذي لشركة آي كونتاكت (IContact) للدعاية والإعلان علي عصام، لـ"النهار"، إن القفزة الأوضح كانت في سوق الإعلانات، ومن المتوقع أن ينمو الإنفاق الإعلاني الرقمي في مصر 12.8% خلال 2026 ليصل إلى 1.84 مليار دولار، مع استمرار نمو السوق بمعدل سنوي مركب 15.5% حتى 2029، وهذه الأرقام منحت العلامات التجارية مساحة جاهزة لاستغلال لحظة المونديال عبر الفيديوات القصيرة، المؤثرين، الإعلانات الخارجية، وحملات الاتصالات، وفق تقديرات (ResearchAndMarkets) لأبحاث السوق الإيرلندية.
ويضيف عصام أن السوق كانت مهيأة مسبقاً، إذ زاد عدد اللوحات الإعلانية الكبيرة في القاهرة من نحو 2500 في 2019 إلى نحو 6300، بينما نمت شاشات الإعلانات الرقمية بأكثر من 10 أضعاف إلى أكثر من 300 شاشة، كما بلغت إيرادات إعلانات الطرق والنقل نحو 6.3 مليارات جنيه في 2024، وفق بيانات (AdMazad) التي نقلتها "رويترز".
من إعلان المنتج إلى إعلان الهوية
ويشرح عصام أن حملات المونديال في مصر لم تكتفِ ببيع خدمات الاتصالات أو الاشتراكات أو الوجبات؛ بل باعت شعوراً جماعياً بأن "هذه المرة مختلفة"، فالإعلانات المصرية لعبت على سجل مصر الضعيف في كأس العالم، وعلى فكرة أن منتخب 2026 قادر على البقاء أطول في البطولة.
ويشير عصام إلى تقرير نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" أشارت خلاله إلى أن شركات الاتصالات استخدمت الكوميديا والسخرية من تشاؤم الجماهير، بينما رفعت (Orange) للاتصالات شعاراً يدور حول تحدي المشككين، وظهر محمد صلاح في إعلان بطابع فرعوني ساخر، في انعكاس لاستخدام اللاعبين كأصول تجارية وشعورية في وقت واحد.
المنصات والتوصيل يدخلان المباراة
ويتحدث عصام عن فن استغلال الشركات فرصة تأهل مصر في مونديال 2026، قائلاً إن الاستفادة لم تتوقف عند الإعلانات التقليدية، فشركة مثل "طلبات مصر" وقعت شراكة مع منصة (TOD by beIN) تتيح لمشتركي (talabat pro) باقات مخصصة لمتابعة مباريات كأس العالم، مع خصومات ومزايا مرتبطة بخدمات الطعام والبقالة، قائلاً: "هذه الصيغة تكشف كيف صار المونديال أداة لزيادة الاشتراكات والاحتفاظ بالعملاء، وليس مجرد مناسبة لمبيعات يوم المباراة".
ويرى عصام أن قوة هذا الأثر تعود إلى حجم الجمهور الرقمي في مصر، حيث يقدر عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بنحو 98.2 مليون شخص في نهاية 2025، مع 51.6 مليون هوية مستخدم على منصات التواصل الاجتماعي، وفق (DataReportal)، وهذا يجعل أي حدث جماعي، مثل مباراة للمنتخب في كأس العالم، قابلاً للتحول سريعاً إلى موجة إنفاق إعلاني وتفاعل تجاري.
.jpg)
حدود الانتعاش
ويلفت عصام إلى أن هذا الانتعاش له سقف واضح، إذ تشير تقديرات (Cebr) إلى أن كأس العالم قد تولد 14.1 مليار دولار من الإنفاق المباشر في أميركا الشمالية، بينما تستفيد المقاهي والمطاعم والرعاة عالمياً من الجمهور الكبير، إلا أن الأثر الأكبر يظل مركزاً في الدول المضيفة وحول قطاعات محددة.
ووصفت شركة (Allianz Trade) الألمانية أثر كأس العالم بأنه "صدمة طلب قصيرة ومكثفة" أكثر من كونها محرك نمو هيكلي، وهي قراءة تنطبق على مصر أيضاً.
ويتفق عصام مع رؤية "أليانز تريد" في أن الاستفادة المصرية تتركز في الإعلانات، المقاهي، المطاعم، التوصيل، الاشتراكات، الإلكترونيات، وحملات العلامات التجارية، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير مسار الناتج المحلي أو معالجة ضغوط التضخم والقوة الشرائية.
حجم سوق الإعلانات في مصر
أظهرت بيانات مؤسسة (IMARC Services Private Limited) الهندية للاستشارات المالية، أن حجم سوق الإعلان في مصر بلغ 2.46 ملياري دولار عام 2025، وسط توقعات أن يصل حجم السوق إلى 3.43 مليار دولار بحلول عام 2034، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 3.67% خلال الفترة 2026-2034.
وتتوقع مؤسسة (Research and Markets) الإيرلندية لأبحاث السوق، أن تنمو سوق الإنفاق على الإعلانات الرقمية في مصر بنسبة 12.8% سنوياً، ليصل إلى 1.84 مليار دولار بحلول عام 2026.
وشهدت سوق الإنفاق على الإعلانات الرقمية في مصر نمواً قوياً خلال الفترة 2020-2025، محققاً معدل نمو سنوي مركب قدره 10.1%. ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو، حيث يُتوقع أن تنمو السوق بمعدل نمو سنوي مركب قدره 15.5% خلال الفترة من 2026 إلى 2029.
وبحلول نهاية عام 2029، من المتوقع أن يرتفع حجم سوق الإنفاق على الإعلانات الرقمية من 1.63 مليار دولار في عام 2025 إلى نحو 2.84 مليار دولار.